لا خلاف على تبدل الفصول ولا دهشة من تعاقبها، لكن الغرابة كل الغرابة أن يخالف أحد الفصول ميقاته فيطول أو يقصر على حساب دورة الحياة.

قانون الطبيعة هذا لا تربكه إلا أفعال البشر، وطبعا هم أولئك المؤثرون، لا من يتلقون نتائج أفعالهم مثلنا. يبدو هنا أن إرادة خفية تتعمد مد فترة "الربيع" العربي لأطول ما يمكن وفي غير ساحة، حتى بتنا نعيش حقبة عنوانها الأنسب: المراوحة في ذات المكان والأهداف.

في سوريا مثلا، باتت المجازر خبز المواطن اليومي، حتى لم يتبق مكان من الشاشات ولا بقاع سوريا للمزيد من اللون الأحمر، وكل مناشدات المنتفضين منذ شهور بتدخل خارجي لم تقابل سوى بسيل من الاجتماعات والتصريحات والبيانات والأوراق والمساومات بين العواصم.

ما يثير الدهشة أكثر هو تحذيرات تترى أطلقتها واشنطن، من مخطط النظام السوري لإغراق المنطقة بالصراعات وضرورة قطع الطريق عليه، ولم يتحرك أحد البتة إزاء استعصاء عملية القطع هذه، والأكثر دهشة هو موقف تركيا.

 لكم استغل رجب طيب أردوغان عواطف شعوبنا وتوقها للتحرك إلى الأمام، وحرك هذه العواطف بصوته الخطابي وهو يطلق الشعارات الرنانة والتهديدات الواثقة بأنه لن يسمح لبشار الأسد بارتكاب مجازر في حق شعبه، وها هي المجازر تضرب حتى مخيمات اللاجئين السوريين داخل الأراضي التركية، ثم تزيد تحديا بإسقاط طائرة تركية، ليسارع كبرياء أردوغان إلى إعلان اعتذار دمشق، وهو ما صبت عليه الأخيرة ماء باردا بنفي هذا الاعتذار.

ثم ماذا بعد؟

لا شيء من تركيا ولا من غيرها، الكل يحرص على إطالة أمد التدمير في سوريا، واشنطن معنية بهذه الإطالة لترجع سوريا قرنا للوراء فيختفي معها ما يسمى جزافا بمعسكر "الممانعة"، وإسرائيل أيضا حريصة على إطالة الاحتراب السوري لكي تبقى ممسكة تماما بمفاتيح الربط والحل الخاصة بالجولان المحتلة، وتركيا أيضا - بغض النظر عن جهورية الصوت الأردوغاني- لا يهمها إطلاقا جار سوري جديد قوي، بل مشغول بنفسه لعقود بعيدا عن الحلف مع إيران وبقايا أحلام لواء الإسكندرونة.

إذن، لا جديد سوى انتظار الجديد الذي لا يأتي في هذا الزمن العربي.

مصر أيضا و"ثورتها" تغرق في المنازعات القانونية، وميدان التحرير يعيد عقارب الساعة إلى لحظة البدء، والجدل السياسي يعطل أي بارقة تقدم نحو الأمام.

ولا سيما مع صرعة التبدلات النارية من حيث سرعتها في مواقف الأطراف والتحالفات، التي تنشأ وتموت وتحيا مجددا في أقل من أسبوع. المحصلة أن مصر خارج دائرة التأثير الخارجي، وأن لا دور لها في ما يجري، حتى في بوادر الحراك الداخلي السوداني حول مصدر ريها أو عطشها.

الكل حريص على تجميد اللحظة التاريخية العربية في موضعها، والكل يشارك بقصد أو غيره، في إرباك حركة المجتمع المدني العربي إلى الأمام.. وفي الأثناء يبقى الصراخ في الساحات سيد الموقف؛ صراخ المحتجين الحالمين بجولة إعادة لـ"الثورة"، وصراخ أمهات الأطفال المذبوحين من دون أن يعرفوا السبب.

شكرا للعالم المتحضر الحريص على حقوق الإنسان، لكن ليس أي إنسان!