ما يعسر الأزمة الداخلية المصرية، هو نداء الدم، ذلك السؤال الذي يستعصي على المنطق، إذ لا مبرر أبدا للقتل.
كل طرائق العقل تنغلق لمرأى أم تنوح ولدها على أعتاب محاكمة الرئيس السابق حسني مبارك، لكن مغالبة الانفعالات العاطفية واجب تمليه المسؤولية الموضوعية، على الأقل كي لا يتكرر مشهد الأم المنتحبة خلال التحديات المقبلة.
وعلى أنه من نافل العبث استبعاد العامل الخارجي في حراك شرق المتوسط الداخلي، يتوجب هنا تفكيك الممكنات على الساحة المصرية مع استيعاب المؤثرات الإقليمية والدولية.
نعلم جيدا أن منطقتنا نعمت بأهمية استراتيجية قل نظيرها، لكن مع آلام جانبية مركزها استحالة استغناء القوى العالمية الكبرى عن ميزاتها، ولذا فإن حشد السياسات والأدوات للتأثير في مجريات المنطقة الداخلية متوقع جدا، للإبقاء على "الفوضى الخلاقة" في نطاق السيطرة، وبعيدا عن تفجير لا محالة يطال العالم كله بشظاياه.
من هنا لا بديل عن تمحيص عاملين تصدرا واجهة المشهد السياسي المصري: الأول حكم المؤبد للرئيس المخلوع مبارك ووزير داخليته حبيب العادلي، مع تبرئة مفاجئة لأدوات قمع العادلي وآخر رجل أعمال هارب من وجه العدالة.
والثاني الجولة الثانية والحاسمة من انتخابات الرئاسة المصرية، بين مرشح "الإخوان المسلمين" وجنرال سابق محسوب على النظام المزاح.
ما الرابط بين العاملين؟
لا أبسط من تبيان ذلك بدعوة "الإخوان" فور النطق بالحكم، إلى "ثورة ثانية" في ميدان التحرير. هذه الدعوة التي لا تستهدف أكثر من حسم التردد إزاء تصنيف مرشح الجماعة الإخوانية على أنه واجهة "الثورة" مقابل واجهة "الفلول"، والنتيجة أكثر من بينة في ظل اشتعال العواطف والانفعالات ومعها مخاوف عودة النظام السابق، وهو تاليا ما يضمن فوزا كاسحا للمرشح الإخواني.
يأتي ذلك على خلفية تدهور شعبية الجماعة، بعد ثلاثة أشهر فقط من انخراطها في مؤسسات السلطة (التشريعية)، إلى نحو 25 في المئة صوتوا لمحمد مرسي، بعدما كانت هذه الشعبية في ظل نظام مبارك تتجاوز الـ60 في المئة.
طبعا هذا إضافة إلى مفاجأة لا تقل أهمية، تمثلت في ظاهرة حمدين صباحي، هذا القومي الذي نافس بقوة وكاد يكون الحصان الأسود في السباق.
وأتت جرعة الاستفزاز القضائية هذه لتعدل الميزان لمصلحة النموذج التركي في مصر، حزب إسلامي "مستنير" يحكم سياسيا، في ظل مظلة عسكرية محكمة التكنوقراط، ولن نبالغ بالقول علمانية.
حسمت المعركة الرئاسية من منصة المحكمة، لكن المستقبل بالتأكيد غير محسوم لمصلحة "الإخوان"، بالنظر إلى أن ثلاثة أشهر فقط في البرلمان دهورت شعبية الجماعة، فما البال بسنوات من الحكم والسلطة، وما يعتمل ويحتمل أيضا من انشقاقات بعد الثلاثة السابقة!