يضرب المثل تقليدياً بالسفن السوداء، التي قادها الكومودور الأميركي بيري إلى سواحل اليابان، بالكوارث التي تطرق أبواب الشعوب فتدفعها إلى استنهاض أفضل ما فيها، لكي تواجه تحديات المصير.
لكن السفن السوداء، التي تواجهها مصر اليوم، ليست تحدياً يأتي من الخارج، وإنما هي أزمة حقيقية تنبع من الداخل.
هذه الأزمة التي تواجهها مصر هي أزمة نخب لا تستطيع التغلّب على تناقضاتها وتمزّقاتها الداخلية، لتنهض لمواجهة لحظة تاريخية بكل المعايير، قد تنسحب نتائجها على كل ما يأتي بعدها، امتداداً حتى سنوات طويلة في المستقبل.
نتائج الجولة الأولى من انتخابات الرئاسة المصرية ليست هي هذه الأزمة، وإنما هي أحد تجلياتها العديدة الراهنة والمستقبلية أيضاً.
حقاً إن الكثيرين يتوقفون بكثير من الحيرة والصدمة، حيال الخيار المستحيل بين الدكتور محمد مرسي مرشح حزب الحرية والعدالة، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين، الذي حصل ـــ حتى كتابة هذه السطور ــــ على خمسة ملايين و446 ألف صوت، بنسبة 24.9% من الأصوات الصحيحة، وبين الفريق أحمد شفيق، رئيس وزراء مصر الأسبق، الذي حصل على خمسة ملايين صوت و388 ألف صوت، بنسبة 24.5% من الأصوات الصحيحة.
ولكن من المؤكد أنه لولا تمزّق النخب السياسية المصرية، وعجزها عن الارتقاء إلى مستوى اللحظة التاريخية التي حملتها ثورة الخامس والعشرين من يناير، لما وصلت الحياة السياسية المصرية إلى هذا الخيار المستحيل.
وجمع الصفوف وتجاوز التناقضات ومعانقة الثورة التي فجّرها شباب مصر، كان من شأنه أن يقطع الطريق أصلاً على إمكانية إعادة إنتاج النظام السابق، أياً كان شكل هذه الإعادة، وكان يمكن أن يجعل أي قوة سياسية، مهما كان اقتدارها التنظيمي، وحدة في منظومة من القوى، التي لا بد لها من التعاون معاً.
هذا التجاوز للتناقضات والصعود إلى مستوى اللحظة التاريخية كان من شأنه أن يدفع إلى الصدارة تجمعاً للقوى الوطنية والثورية والمعبرة عن الملايين التي أصبح اليأس طريقة حياة لها، وهو تجمع رأينا كيف أنه كان يوشك على تجاوز كل التوقعات، لولا تهاون البعض في دعمه والتفاف البعض حوله، في محاولة لتجاوزه.
ربما كانت نتائج الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية المصرية هي الحافز الأفضل للنخب المصرية لتجاوز تناقضاتها وللنهوض إلى مستوى التحديات.
ربما كان أفضل ما يمكن للنخب السياسية المؤمنة بمستقبل مصر هو المضي في طريق الديمقراطية، من خلال بناء معارضة قوية وفعالة ومؤثرة تتميز بالقدرة الخلاقة على إيجاد البدائل والحلول للمشكلات.
ولنتذكّر دائماً أن السفن السوداء ـ سواء جاءت من الداخل أو من الخارج ـ هي تحديات تقوّينا إن لم تقتلنا، وتثير فينا أعظم قدراتنا، لأنها تؤكد قدرتنا على الصعود إلى مستوى اللحظات التاريخية التي نعيشها.
علينا أن نتذكّر أن النخب المصرية، رغم انقساماتها العديدة، النابعة من ظروف تاريخية معروفة، قادرة ـ إذا أرادت وإذا عقدت العزم ـ على أن تجعل من انكساراتها مقدمة للانتصار.
دعنا نتذكّر ما قاله بابلو نيرودا في لحظة لا تقل كآبة ولا سوداوية عمّا تمر به مصر الآن: «إن لحظة في الظلام لا تسلبنا البصر».