هي مرة أخرى آلام المخاض، في انتظار مخاض الآلام، وما ستشف عنه دورة التاريخ "الربيعية" في أرض الكنانة، التي هي في كل حال مؤشر لمآل المنطقة برمتها.

غير أن انتظار المستقبل المصري، لا يحجب تلمس أو تبصر ملامحه، علّ الذهنية العربية تكون أمينة لمقولة الأجداد: لا تعطني يا الله حملا خفيفا بل ظهرا قويا.

إحدى أكبر قوى الحاضر المصري هي جماعة "الإخوان المسلمين"، وما يحدث فيها ويبدر منها، يؤثر عميقا في الراهن ويؤشر للآتي، في ظل "مليونيات" لا تحمل من مضمونها سوى الاسم المأمول، إذ لو تحققت المليونيات كل جمعة لانهار النظام السياسي برمته.

هذا بالإضافة إلى الفارق الكبير بين ميداني "التحرير" و"العباسية"، فبينما تصر قوى شبابية مدنية على الإبقاء على "التحرير" رقيبا على التطورات السياسية، ارتأت قوى إسلامية التصعيد في "العباسية" ضد المجلس العسكري الحاكم، بعد اختلال صفقة تقاسم السلطة.

وعطفا على ضخامة تأثير القوى الإسلامية في المجريات، فإن "الإخوان المسلمين" يعانون آلام مخاض داخلي وخارجي على السواء، إذ لم يكد حكم حسني مبارك يتوارى في سجن طرة، حتى ظهرت التناقضات الداخلية في الجماعة إلى السطح، بثلاثة انشقاقات في عام واحد، وخمسة مرشحين على الرئاسة خرجوا من عباءة الجماعة استثني اثنان منهم، بينما يشير الحراك الداخلي إلى تناقض هو الأخطر في هذا المخاض.

لاحت بوادر التناقض إبان ثورة 25 يناير، عندما اصطف تيار "الصقور" أو ما يوصف بـ"الحرس القديم"، إلى جانب القوى المترددة وحتى الرافضة للانخراط في هذه الثورة، وذلك في مواجهة "قوى التغيير" الشبابية داخل الجماعة، التي جرتها في النهاية إلى "التحرير"، ونجحت في تغليب البرنامج السياسي على الأيديولوجي، لجهة التصدي لتحديات المجتمع المعاصر وأسئلته الاقتصادية والاجتماعية، بدل التذرع بشعار "الإسلام هو الحل" فقط، في مواجهة مستجدات العولمة وتشابك المصالح والمصائر.

ومع غرائبيات المشهد السياسي الحالي الذي يشوبه الكثير من الفوضى، والتدخلات والتأثيرات الخارجية، فإن الشرخ بين المعسكرين في الجماعة آخذ في الاتساع، ما يفضي إلى ما يمكن تسميته بانقلاب داخلي، يبدو أن النجاح فيه إلى جانب القوى المستنيرة الشبابية في الجماعة، وصولا إلى نموذج حزب طيب رجب أردوغان التركي، الذي توصل إلى وصفة قابلة للتطبيق في مصر بين الحكم السياسي الإسلامي الديمقراطي البرلماني، وجنرالات الجيش العلماني.

في المقابل، يتعين على القوى الشبابية "الإخوانية" أن تتصدى لتحد لا يقل أهمية عن صقور الداخل: القوى السلفية. فقد ولى الزمن الذي كانت الجماعة توفر حاضنة لهذه القوى لتمارس أنشطتها السياسية مستفيدة من شبكتها الاجتماعية، وها هي تفرخ "حزب النور" الذي حل ثانيا في الانتخابات الأخيرة.

ولا سيما أن "السلفيين" لا يتمتعون ببراغماتية تؤهلهم للتعامل الحاذق مع استحقاقات الحكم السياسية، بعيدا عن تحريم الوقوف للنشيد الوطني، اللهم إلا إذا انشقت القوى السلفية وشفت عن انقلاب مماثل يدفع بتيار شبابي مستنير للواجهة.

مجمل هذا العراك الذي لا ولن يجري في الخفاء الذي كانت تفرضه الحقبة الاستبدادية، بل في العلن المصاحب للديمقراطية، يعني أن هالة القداسة المحيطة جماهيريا بتيارات الإسلام السياسي ستتبدد تدريجيا، وستخضع للمحاسبة الشعبية بوصفها حركات أو أحزابا سياسية، نجحت أو أخفقت في تقديم الحلول المصيرية والمعيشية.

والحال هكذا، ماذا تفعل حاليا قوى "الثورة" المدنية التي فجرت هذا الحراك أصلا؟ هل تعكف على تنظيم الصفوف وإعداد برامجها المحكمة لما بعد آلام المخاض؟!