في هدأة حمى الحماس والهمة الجمعية الهادرة في الشوارع، تتاح لنا بضع لحظات تأمل في راهن ومقبل الأيام والأحداث، على ما يحتمله هذا التأمل من استثارة التهم الجاهزة وقوالب النمط المعدة سلفا، لكل ما أو من يخالف اتجاه القطيع أو بوصلة السرب، لكن حاضرنا "الربيعي" يحتمل مخاطر أكبر من تبادل التهم، ما يجعل الأمانة التاريخية محركا للتفكير بصوت عال.

بداية لا بد من تحديد المفاهيم وتأطير المعنى بدقة لا تحتمل التأويل شأن المرحلة التي نمر بها، هل ما يحدث في ساحاتنا العربية ثورة شعبية حقا؟ أم هي لا تعدو أكثر من تمرد جماهيري فقد، لفرط تلقائيته، البوصلة والبرنامج البديل؟

لعل أول من نبه إلى توصيف "التمرد الاجتماعي" هو المعارض السوري ميشال كيلو، وهو محق لجهة التعريف السياسي للثورة بما هي حركة تغيير جذري للبنى الفوقية في المجتمع، تغيير يطال حتى طرق التفكير، ويفضي إلى واقع مغاير تماما لما قبله، أي أنه يجبّ الحاضر لمصلحة مستقبل مختلف تماما. وعليه فإن تأمل ساحات الربيع العربي من تونس إلى سوريا، لا يفلح في تطبيق التوصيف الدقيق لمفهوم الثورة، إذ لم يطل التغيير سوى جزء في البنى التحتية للمجتمع، أي النظام السياسي، وبالتالي لا تغيير جذريا في هذه الساحات، بل إن النظامين الاقتصادي والاجتماعي بقيا على حالهما، وعليه فإن ما جرى ويجري، لا يخرج عن إطار التمرد الاجتماعي.

أما أسباب ذلك فتحتاج إلى مقال منفصل لاحقا، لكن في عجالة، حدث ما حدث لأن الظروف الموضوعية القهرية التي فرضها الاستبداد، ولدت حالة احتقان اجتماعي ومن ثم انفجاراً، سبق قوى المجتمع السياسية والاقتصادية المنظمة. بمعنى أن التحرك الاجتماعي كان هو الطليعة، لا القوى السياسية التي يفترض أن تقود هذا الحراك، فكانت النتيجة غياب برنامج التغيير الشامل وأدواته وآلياته، ما اضطر الشارع إلى حصر مطالبه في شعار واحد فقط: الشعب يريد إسقاط النظام، والأصل أن يكون الشعار: الشعب يريد النظام الفلاني بدل السائد.

ولأن الجماهير التي تحاول قيادتها الجديدة اللحاق بمسيرها، لا تمتلك من التنظيم ما يؤهلها لقهر قوى الأنظمة السابقة الأكثر تنظيما، تصل إلى مفترق طرق: إما التقاط الأنفاس لبلورة قوى سياسية منظمة تحمل برنامج تغيير شامل، وتاليا قبول مرحلة انتقالية لا تحقق لها مطلب الاجتثاث الكامل للنظام السابق وأذرعه، أو الدخول في مساومات مع هذه الأذرع (كما يحدث مثلا في اليمن)، لانتزاع الحد الأدنى من مطالب التمرد الاجتماعي.

في كل الأحوال، وبناء على التوصيف الآنف، فإن حالة التمرد الاجتماعي تعد إغراء لا مثيل له لقوى خارجية وأجهزة استخبارية، ذلك أن غياب القوى المنظمة التي تقود كل حي وكل زقاق وفق برنامج تنظيمي محكم، ومقدرة على إلزام الجماهير بهذا البرنامج على قاعدة القناعة المسبقة، هذا الغياب يترك فراغا متاحا للأصابع الخارجية لتوجيه التمرد الاجتماعي كما وكيفما تشاء، وهو ما يتمظهر حاليا في سلوكيات منفلتة لا يعرف مصدرها، من مثل مجزرة في ملعب كرة قدم، أو اقتحام سفارة سعودية في القاهرة، أو تفجيرات في بنغازي واشتباكات في بني وليد.

طبعا على الدول "الآمنة" من هذا التمرد الاجتماعي، توقع أن يطالها بعض هذه الانفلاتات التي تكون في حالات نادرة عفوية، وغالبا مبرمجة من قوى خارجية، تريد للتمرد الاجتماعي أن يكون عقيما وطويل المخاض.. والأهم محاصرا!