في عصور يخجل التاريخ الغربي من تذكرها، كانت الكنيسة تحكم باسم الدين، فأتت النتيجة وبالًا على الطرفين: الكنيسة والدين.

الانخراط في الأمور الدنيوية المتشعبة والتي تزداد تعقيداً كل ثانية، أفسد الكنيسة حين كان من المحرمات الحديث عن كروية الأرض، وخلق ردة فعل عارمة على الدين لديهم، بعدما ادعت الكنيسة حق الفتوى وإصدار الأحكام، بل وتحديد من يحق له التمتع بالنعيم.

هي حقبة يغص التاريخ الغربي بظلاميتها، وهي التي فجرت الثورة في وجه طبقة لوردات متحالفين مع رجالات الكنيسة، لتنطلق الثورة الصناعية من فرنسا إلى جل العالم الغربي، الذي خرج إلى نور القوة والحضارة وتسيد الكرة الأرضية التي تتردد في فضاءاتها صراخات دانتي المحروق، لإقدامه على تفنيد انبساط الأرض كسجادة.

هم اضطروا إلى وصفة الفصل بين الكنيسة والنظم الدنيوية، على أساس انفجارات هائلة من المستجدات والتفاصيل الصغيرة الناشئة، في ظلال القواعد العامة التي تضعها الأديان والتي مهمتها الأساسية تشذيب الأرواح وبلورة القيم والنظم الأخلاقية. هذه التفاصيل تفرض اشتقاقات قانونية وتفسيرية دنيوية وهو ما لا يخالف الدين، ولا سيما أنها ترسم في هديه.

على هذا، وبعد قرون من العصور الغربية المظلمة بتوسيع الكنيسة دورها الديني إلى الدنيوي، نصحو نحن العرب على تجربة مماثلة مزدوجة الغرابة:

أولًا؛ كيف لتيار أو جماعة سياسية أن تدعي حقاً، هي أعلم أنه بلا تفويض، حق تمثيل الدين الإسلامي، بينما السواد الأعظم من العرب هم مسلمون؟

ثانياً؛ كيف لهذا التيار أو الجماعة أن يزج بمؤسسة المسجد في اللعبة السياسية في القرن الواحد والعشرين، بتعقيداتها وتشعباتها المصلحية والتكتيكية، والحقائق المربكة في عالم اليوم القائم على نظام بنكي دولي؟

مصر نموذجاً، نقرأ في ثنايا المواقف حالياً، بوادر إفساد وتشويه للمشهد الديني، فلا يعقل أن تتمخض عقول اقتصاديي الإخوان المسلمين مثلًا، عن اقتراح الزكاة حلاً للمعضلة الاقتصادية والمديونية الضخمة، غير عابئة بتاتاً لا بالاقتصاد الكلي ولا الجزئي والنظريات المتناسلة كل عقد للتصدي للمعضلات الناشئة في هذا الحقل، بينما تميز الدين الإسلامي في سالف الأوان بترك المجال مفتوحاً على مصراعيه للاجتهاد وتطوير النظم الدنيوية، على أساس الصلاح والعدل والموضوعية.

وحتى حين تفتقت أدمغة الجماعة عن وصفة النأي عن التفاصيل الدنيوية، بتأسيس أحزاب سياسية في غير ساحة، ظهرت هذه الأحزاب نسخة طبق الأصل عنها، من دون تمايز أو تمييز، لا في البرنامج ولا النهج، فالحزب له شروطه الداخلية والسياسية التي تختلف عن نظام وآليات عمل الجماعات الدينية.

بالتأكيد، باب السياسة مفتوح لكل متدين، لكن الواجب الديني يفرض عليه حماية الدين من التشوهات السياسية، وإبقائه في مكانته السامية بما هي هدي إلهي للأرواح المتعبة الباحثة عن اليقين، وعليه اختيار أقرب الأحزاب المدنية لقناعاته وأيديولوجيته، واتباع التعاليم السمحة في نشاطه الحزبي.

تعلم تيارات الإسلام السياسي منذ القدم، أن السلطة تحفها مخاطر المفسدة، وواجبهم الديني والحال كهذه، حماية العقيدة من الشبهات، ووصفات غير مدروسة لحلول دنيوية تحتاج أحياناً إلى معادلات فيزيائية أكثر من النوايا الطيبة.

ذوبان الإخوان المسلمين في أحزاب مدنية مثلًا، ربما يكون وصفة بقاء الجماعة هذه، قبل تهلكة المستنقع السياسي عبر التفتت والانشقاقات الداخلية، والصراعات والتآكل التنافسي مع الجماعات الدينية الأخرى، التي تدعي بدورها الحق في التحدث باسم الدين.