الحوارات التي امتدت تحت أسقف الملتقى الحادي عشر لمجلة «العربي» الكويتية، الذي دار هذا العام حول «الثقافة العربية في المهجر» حوارات عدة، اتسمت بالثراء وبتعدد الأطراف، والكثير منها ينتمي حقاً وبامتياز إلى فئة الحوار الذي يستعصي على النسيان. بالطبع، كنت محظوظاً، حيث أتيح لي لقاء الكثيرين من الأساتذة والمفكرين والمبدعين العرب، لكن تلك كانت المرة الأولى، وآمل ألا تكون الأخيرة، التي يتاح لي أن أتجاذب أطراف الحديث مع مارك لينز.
ومارك لينز، لمن لا يعرفه، هو المستشار الخاص لرئيس الجامعة الأميركية بالقاهرة، وقد أمضى ما يزيد على ربع قرن في موقع المسؤول الأول عن كل ما يتعلق بالنشر في الجامعة الأميركية، وقد جاء إلى هذا الموقع بحكم خبرته الطويلة في عالم النشر، والتي أنشأ في إطارها داراً للنشر بدأ بها من دار متواضعة، ولم يقم ببيعها إلا بعد أن تحولت إلى دار عملاقة للنشر تحمل اسم دار «كوانتوم».
لكن ما يعنينا في الرجل هو تجربته في النشر انطلاقاً من الجامعة الأميركية بالقاهرة، ولم يكن الرجل غريباً عن موضوع ندوة «العربي»، فقد غادر بلده الأصلي، ألمانيا، وهو في الثانية والعشرين من العمر، وهاجر إلى الولايات المتحدة ، وحصل على الجنسية الأميركية، لكنه من خلال معادلة سحرية جمع بين الثقافة الأميركية وبين الجذور الأوروبية.
ولدى قومه لتولي مسؤولية النشر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، في السبعينيات من القرن الماضي، كان قسم النشر يصدر ثلاثة كتب سنوياً، أما اليوم فإن هذا القسم يصدر مئة كتاب جديد كل عام، تتم ترجمتها عبر شبكة من الاتفاقات مع دور النشر العالمية إلى أربعين لغة أخرى.
وكاتالوج الجامعة يضم اليوم خمسمئة كتاب، عدد كبير منها يردم الهوة بين الأدب والفكر العربيين وبين العالم. يشير مارك لينز إلى أن أولى الصعوبات التي واجهته في نقل الأدب والفكر العربيين إلى العالم أنه من الناحية العملية كان هناك في ام 1976 عدد محدود للغاية من المترجمين الذين يمكنهم أن يترجموا من اللغة العربية إلى اللغة الانجليزية على المستوى المطلوب دولياً، وكان لابد من «اختراع» جيل من هؤلاء المترجمين.
في وقت فوز نجيب محفوظ بجائزة نوبل كانت هناك ثمانية من كتبه مترجمة إلى الانجليزية، من قبل الجامعة الأميركية، وفي هذا الوقت لم يكن هناك من الأدب العربي ما ترجم إلى الانجليزية إلا عدد محدود من الكتب يتصدرها، بالطبع، العمل العتيد الذي طالما فتن المستشرقين الغربيين، أي «ألف ليلة وليلة».
أما اليوم، والعهدة على مارك لينز، فإن الطبعة الفاخرة التي أصدرتها الجامعة لأعمال نجيب محفوظ تضم أربعين كتاباً له.
ومن مجمل ما ترجمته الجامعة من العربية إلى الانجليزية من أعمال المبدعين العرب أطلت ستمئة طبعة أجنبية بلغات مختلفة نقلاً عن الترجمة الانجليزية.
وتضم أعمال الجامعة أعمالاً لأكثر من مئة كاتب عربي، تبدأ من عميد الأدب العربي دكتور طه حسين، ولا تنتهي بروايات علاء الأسواني، ومن خارج مصر ترجمت الجامعة 160 عملاً من مختلف أرجاء العالم العربي إلى الانجليزية، نشرت ورقياً ورقميا، لكتاب ينتمون إلى دول تمتد من المغرب إل الخليج.
بالطبع، لم ينس مارك لينز الإشارة إلى أن من بين إصدارات الجامعة الأميركية مجلد أنيق يضم مجموعة من قصص كتاب إماراتيين بارزين، من ترجمة رائد الترجمة عن العربية إلى الانجليزية دنيس جونسون ديفز.
لكن الرجل كان من اللطف ورقة الحاشية بحيث لم يشر إلى أن هذا الكتاب لم يلق ما يستحق من التنويه به وإلقاء الضوء عليه في البلد الذي قدمه إلى العالم، فلعل هناك من المؤسسات الثقافية في الإمارات ما يبادر إلى إلقاء الضوء على هذا الكتاب المنسي، رغم روعته.