من محاسن «الربيع العربي» إتاحة إمكان التقاط أجزاء المشهد، مما يتناثر من فلتان الحوار والتناحر الفكري على صفحات المواقع الإلكترونية، فإذا ما نحينا الهذر نستطيع تلمس بدايات الشرر، وبدايات الانكشاف أيضاً.
في ظل التنابز بالمثالب؛ الجاري حالياً في مصر، فإن المواقع الإلكترونية للقوى المدنية المناوئة لحركات الإسلام السياسي، التي تصدرت المواقع السلطوية، بعدما كانت مترددة إزاء المشاركة في الهبة الجماهيرية التي أطاحت نظام الرئيس حسني مبارك، حفلت بالكثير من الاتهامات، كان أكثرها لفتاًً للانتباه ما نشره موقع أطلق على نفسه «سرايا الكفاح الشعبي»، مدعياً تمثيل القوى العلمانية في مصر، يتحدث عن لقاء جمع أحد كبار المخططين الاستراتيجيين الإسرائيليين، ويدعى برنارد هنري ليفي، مع القيادي في جماعة «الإخوان المسلمين» المصرية محمود غزلان في عام 2011، عارضاً صورة لهذا اللقاء، في موازاة صور أخرى جمعت ليفي بعدد من قادة إسرائيل.
على أن لهذه المراهقات السياسية التي تسم أي مصافحة بالعمالة، مفعولها الآني فقط، ثم تتبخر كما الشائعة، إلا أن الإطار العام لمسار الأعداء لا يخلو من لقاءات بين المتحاربين.
في المقابل، تمهد مثل هذه اللقاءات لكسر الحاجز النفسي «الثوري»، وتالياً اعتناق «الواقعية» السياسية، والبعد تدريجياً عن الشعارات الطوباوية، على أساس أن معترك السلطة غير مقعد المعارضة الوثير، ولا غرابة في هذه الحال إن صحت الأقاويل عن لقاءات سابقة بين قيادي في حركة «حماس» ـ الذراع الفلسطينية لجماعة «الإخوان» ـ مع قادة من الاحتلال.
بين هذه الشذرات تتوضح معالم حقبة مقبلة، قوامها «مرونة» مبكرة من «الإخوان»، مقابل كعكة السلطة، في مواجهة وتحجيم القوى السلفية، واتباع النموذج التركي في الحكم.
هي ذات الصفقة التي كثر الحديث عنها بين الولايات المتحدة الأميركية وبين هذه الجماعة، أثمرت فوزاً مظفراً في صناديق اقتراع مصر وتونس والمغرب، وحكماً في ليبيا المستقبلية وغيرها من الساحات المرشحة للهزات، وما أن تستقر مواقع الحكم للجماعة، حتى يبدأ ثوران الصراع مع القوى السلفية الأخرى، التي لها مشاربها المستقلة عن التحالف الأميركي التركي.
إن كان المسار هو هذا، فما الذي أخّر «ترويض» حركة «حماس» وانضمامها لسرب التكتيك السلطوي العلني؟
بعد الزيارة الأخيرة لرئيس المكتب السياسي للحركة خالد مشعل إلى تركيا، كان من المؤمل إبداء الحركة مرونة أكثر في ما يخص المصالحة مع السلطة الفلسطينية، وعمودها الفقري حركة «فتح»، لكن ما بدا لاحقاً كان المزيد من العودة إلى شعارات قديمة، كانت «حماس» طمستها من قاموسها السياسي.
أظهرت «حماس» للإسرائيليين انضباطاً طالما تغنت به، حين كانت الصواريخ تدك مقاتلي «الجهاد الإسلامي» و«لجان المقاومة الشعبية»، وسارعت إلى قبول الهدنة الجديدة من دون ممانعة معتادة، وبدت الأمور وكأن الجماعة الأم لـ «حماس» في مصر، بالاتفاق مع المجلس العسكري الحاكم، أعدت خطة ضم الحركة إلى صفقة الحقبة الجديدة، قبل أن تنفجر أزمة الوقود في قطاع غزة.
كيف يمكن لصواريخ أن لا تفجر أزمة، بينما شح الوقود يفعلها؟
هل الثمن غير مرضٍ للحركة، أم طلب منها ما لا قِبل لها به، كترتيب الوضع في القطاع عبر تحجيم القوى السلفية المتعددة؟ أم السبب زيارة القيادي محمود الزهار الأخيرة لإيران؟
إجابات كل ما سبق تشي بانقسام منتظر في الحركة، حتى لو عادت لمهاجمة اتفاقات السلام..