اختارت مجلة «العربي» الغراء «الثقافة العربية في المهجر» موضوعاً لندوتها السنوية الحادية عشرة، التي عقدت في الكويت، أخيراً، بمشاركة حشد من الباحثين والكتاب والفنانين والمبدعين العرب والأجانب، الذين قلما يقدر لهم اللقاء إلا في مثل هذه المناسبة الفريدة حقاً. والملاحظة الأولى التي لا بد من إبدائها هنا، هي أن هذه الندوة تميزت بتحولها من ملتقى للحوار بين الباحثين والكتاب وحدهم إلى ساحة للفعاليات المميزة أيضاً.
في مقدمة هذه الفعاليات المواكبة لملتقى «العربي» معرض للفن التشكيلي يحمل العنوان الدال «فن عربي وطنه العالم»، شاركت فيه مجموعة مميزة من الفنانين العرب، يجمعهم خط ناظم، هو أنهم جميعاً تألق منهم عبر سنوات طويلة في المهجر.
في هذا المعرض تألقت لوحات ضياء العزاوي بإيغالها في الحداثة، إلى جوار لوحات أحمد الحجري المغرقة في الفطرية والعفوية، لتحلق بالملتقى بعيداً لوحات حلمي التوني، وتصافح العيون لوحات فاطمة الحاج وعفيفة العيبي وحسن موسى وغيرهم كثير.
وفي اليوم الأخير من الملتقى توجت فعالياته بأمسية شعرية حاشدة، ضمت عدداً من أبرز الشعراء العرب، في مقدمتهم صلاح ستيتية وطارق الطيب وأحمد الشهاوي وشوقي بزيع وحسن طلب وصلاح نيازي.
بين المعرض في البداية والأمسية الشعرية في النهاية، امتد الملتقى، الذي استهل بجلسة نادرة حقاً استهدفت التأصيل الفكري والأدبي للمهجر، حيث بادر د. جابر عصفور بتقديم رؤية تطبيقية لرواية المنفى، على حين تناول الدكتور محسن جاسم الموسوي وقع الغربة في ثنايا ثقافة المغترب.
منذ البداية بدا واضحاً وجود قدر لا يستهان به من الاختلافات في الاجتهادات حول ثقافة المهجر، فهناك تيار يركز على البعد الجغرافي الذي يجعل من الاغتراب ابتعاداً ونأياً ونفياً، بينما ذهب تيار آخر إلى التشديد على تأثير العولمة وتقليصها للمسافات والأبعاد، وبينما كان هناك من يشددون على أهمية الاغتراب بمعناه الفلسفي، رأى آخرون أن من شأن التركيز على هذا الجانب تشتيت تيارات النقاش إلى حد التضارب.
هذا كله كفيل بأن يوضح لنا مدى الثراء الفكري الهائل لهذا الملتقى، الذي حفل بشهادات الفنانين التشكيليين والشعراء والروائيين عن أسرار الإبداع في ظل الاغتراب، وأطلت فيه النقاشات حول قضايا ترجمة الأعمال العربية بلغات أجنبية، وبخاصة الإيطالية والفرنسية والصينية والتركية والفارسية والألمانية.
أحسنت «العربي» صنعاً عندما قامت بالتفاتة نادرة، أتاحت من خلالها إلقاء الضوء على حضور الثقافة العربية في اليابان، وهو موضوع بالغ الأهمية تصدى له الباحث العربي الأكثر تخصصاً فيه، وهو الدكتور مسعود ضاهر، الذي لا يذكر اسمه إلا وقفز الشرق الأقصى للأذهان، حيث عمل على امتداد سنوات طويلة خبيراً وباحثاً وأستاذاً بالجامعات اليابانية، وتولى رئاسة جمعية الصداقة اللبنانية ـــ اليابانية، وحصل على وسام من امبراطور اليابان، تقديراً لجهوده في مد الجسور بين الثقافتين العربية واليابانية.
وكم أسعدني، في الجلسة نفسها التي ضمت د. مسعود ضاهر، أن ألقي بحثاً بعنوان «الدكتور رؤوف عباس.. تجربة عربية في المهجر الياباني» لإلقاء الضوء على إنجاز د. رؤوف عباس الذي أمضى سنوات طويلة في اليابان، أنجز خلالها مجموعة مدهشة من الأبحاث، يتصدرها كتاباه «النهضة اليابانية في عصر مايجي» و«التنوير بين العرب واليابان».
ولا يملك المرء في ختام هذه الكلمة عن هذا الملتقى الفريد، إلا أن يلاحظ الأهمية الاستثنائية للتوصيات التي تقدم بها المشاركون في الملتقى في ختامه، والتي تتصدرها التوصية بالدعم المؤسسي العربي للمثقفين في المهجر بشكل منهجي لا يعتمد على المبادرة الفردية وحدها، والتوجه إلى إنشاء مؤسسات في المهجر على غرار تجربة معهد العالم العربي في باريس.