في حقل السياسة نحن «نتأمل»، وهم يبذرون ويحصدون. أين يقودنا هذا التأمل الدهري؟ هل بإمكان أي منا استشراف ملامح مستقبل منطقتنا، في ظل هذا الاحتدام الداخلي والخارجي؟ نظرة واحدة فقط على الخريطة، تشي بجغرافيا سياسية جديدة تتشكل على مهل، هي التي سيبنى عليها مستقبلنا، هي التي تحدد طريقة عيش أبنائنا على أرضنا. هذا التشابك والاشتباك الدولي على حاضرنا، يحمل في طياته مخططات القادم، لأن الفرق بيننا وبينهم: أننا نتأمل ونتهجى أبجديات الحاضر، فيما هم يبذرونه من أجل حصاد المستقبل.

أخيراً كشفت الفوضى في ليبيا ما بعد القذافي، عن العودة إلى السرب، هو ذات السيناريو الذي علينا جميعاً أن نقتنع ـ ولو عنوة ـ بجدواه ووحدانيته، هو شعار المرحلة: لا قوى مدنية عربية على الأرض تلم الشتات وتبني الجديد على أنقاض أنظمة الاستبداد، فقط جماعة «الإخوان المسلمين» المهيأة منذ زمن طويل لتكون البديل. الليبيون يسيرون إذاً على خطى المحيط، من تونس إلى مصر فالمغرب، وها هم يشكلون حزب «الإخوان» تمهيداً للفوز بهذه الساحة أيضاً.

في سوريا، وصل النظام إلى أعلى نقاط الصعود، وتالي ذلك هو الهبوط التدريجي.. استخدم ترسانته وأفسد العسكر بالمدنية، ولم يبق في جعبته سوى الحماية الدولية التي توفرها روسيا ومعها الصين، غير أن رياح التغيير بدأت تهز الموقف الروسي الموزع حالياً بين مخاوف الانفجار الانتخابي الداخلي في وجه فلاديمير بوتن، وبين مصالح خارجية مع نظام دمشق تنتظر الثمن في القوقاز أو آسيا الوسطى، وضمانات ربما بعدم وصول الغاز القطري إلى أوروبا عبر سوريا الجديدة فتركيا.

هو عد تنازلي للنظام السوري بدأ، لكن في موازاة عد مشابه للمجلس الوطني السوري المعارض بزعامة برهان غليون.

قلة في المعارضة السورية، من أمثال وليد البني ورفاقه العشرين، هم الذين تنبهوا للعبة هذا المجلس وحاولوا رفع الصوت، لكن ضجيج ما يحاك في الخفاء يبدو أقوى. بداية طالبت واشنطن، ومن ثم تبعتها أوروبا في ربط اعترافها بالمجلس ممثلاً للشعب السوري، بتوحيد صفوف المعارضة، وكأن المعضلة فقط هنا، والغرض على الأرجح هو صرف النظر تماماً عن حجر المجن: البرنامج السياسي والنظام الداخلي للمعارضة ورؤيته لسوريا الجديدة.

هناك حرص غريب على بقاء الغموض محيطاً بمستقبل سوريا ما بعد نظام الأسد، وهناك إصرار عجيب على عدم رسم أي ملامح مستقبلية، والبعد عن تأطيرها في رؤية منظمة تكون مرجعية للبناء السياسي عليها، في ما يخص الدستور والانتخابات والنظام الاقتصادي الاجتماعي. ولكم تفادى أعضاء المجلس الوطني في تصريحاتهم الارتجالية، الحديث عن نظام مدني علماني مثلاً أو إسلامي أو غيره، ما يعني بقاء الوضع مفتوحاً على كل الاحتمالات، وأقواها على الإطلاق: انزواء برهان غليون وصعود قوة «الإخوان» فجأة لتتصدر المشهد.

فهمنا منذ البدء تبعات التحالف الناشئ بين الولايات المتحدة وهذه الجماعة، ونعرف ما تريده واشنطن، سواء لمحاصرة إيران الشيعية بقوى سنية قوية ممسكة بزمام السلطة، حتى لو وصل الأمر إلى حرب طائفية، في موازاة تفتيت هذه الجماعة وإفسادها بالسلطة واستحقاقاتها.. كل ذلك مستوعب، لكن ما هو مريع حقاً، هو فهم المغامرة بمستقبل أبنائنا وزجهم في حقبة تعبئة أيديولوجية واجتهاداتها المنفلتة، ومن ثم محاسبتهم على وقوعهم أسرى التطرف!

ألم تستفد واشنطن من درس التحالف مع الحركات المتشددة في الحرب على السوفييت في أفغانستان، لتفاجأ لاحقاً بوجود سلطة للنص الديني يمكن لها كسر كل التحالفات؟ على الأرجح لم تستفد، لكن الخاسر في النهاية نحن!