إيقاع سريع ومجنون أحياناً للأحداث، تلهث الأدمغة وراء القلوب والمشاعر والانفعالات، فلا تدركها.

صراع البقاء في صورة الغاب، يهجم ولا يترك مجالًا إلا لصوت الرصاص ومشاهد الأشلاء.. أشلاء البشر والحجر والشجر. مشهد متوحش يجلل الأفق، رغم تباريق التبشير بالقادم. اندمج الوطني بالأممي في صرخات الاستغاثة.. اختلط الحابل بالنابل، في تجل جديد لـ"الفوضى الخلاقة".

مع هذا الزحام في الأحداث المخيفة ونداءات الدم والعصبيات والصراعات الطائفية التي تنحشر عنوة، لا بد من وقفة تأمل، بالتأكيد لا لتغيير النمط، ولكن على الأقل للتذكير فقط.

أكثر من عام على بداية "الربيع العربي"، هذا الربيع الذي كان آتياً لا محالة، بفعل الظروف الموضوعية: أنظمة مستبدة وفاسدة جعلت الرخاء والرفاه للشعب خارج قاموسها، واستأثرت بالرأي الواحد والحرية الأحادية.

أتى الربيع العربي، فماذا بعد؟

هل تكفي بضعة آلاف من الشهداء، وطرد طاقم الحكم واستبداله بآخر، لكي نقول بثقة "نجحت الثورات"؟ هل يكفي التجييش الجماهيري وصولًا إلى صناديق اقتراع وانتخاب هيئات ومجالس حكم جديدة، كي تقر عين تاريخنا المعاصر على حقبة تنوير ونقلة حضارية يطمئن لها مستقبل هذه الأمة؟

أسئلة، إجاباتها في بطن التاريخ، تاريخ لم يغب بعد عن الذاكرة الجمعية: كم من الثورات والانقلابات هزت منطقتنا العربية ومحيطها، فلم تكن النتيجة أكثر من تخلف عام وطام في كل المستويات؛ من استبداد وأمية وثقافة استهلاكية سطحية، وتراجع في حركة التاريخ؟

وإلا كيف نفهم انتقال إيران من حقبة الشاه وازدهارها الاقتصادي، إلى عزلة وأزمة طاحنة في عصر "الثورة الخمينية"، أو التراجع القيمي والحضاري، حتى في مستوى تفكير الناس في "بعث" العراق وسوريا؟ اللهم إلا إنجازات داخلية عملاقة للحقبة الناصرية في مصر، قابلتها نتائج خارجية كارثية.

ما الضمانات لأن يأتي مخاض الربيع العربي الحالي بمولود مغاير للانقلابات والثورات الفوقية القديمة؟ تمخضت الثورة الفرنسية الشهيرة عن نقلة حضارية هائلة في عموم أوروبا.

وكذلك الحرب الأهلية الأميركية المريعة، عن أعظم قوة على وجه الأرض. لم يحدث ذلك لرغبة نخبوية مثلًا في إزاحة حكم الكنيسة وتوابعها في أوروبا، ولا إنهاء التمزق والتناحر بين الأصول المهاجرة إلى أميركا الشمالية.. حدث ذلك ببساطة لتوفر عاملين: تصحيح حقبة خاطئة في مسار التطور التاريخي للبشر، ووجود حلم مفصل بدقة لإحلال البديل/ الخلاص.

لدينا الحاجة الملحة للتغيير والتخلص من كبوتنا التاريخية والحضارية، التي طالت أكثر مما ينبغي لكثرة القوى المعطلة، لكن هل لدينا الحلم وخريطته؟

كل حركات التغيير الجارية، والتي لن يمنعنا دم الشهداء السخي، وفاء له، من وقفة تأمل صادقة معها.. كل هذه الحركات لم ترفع الأمل شعاراً، ولم تفصل الحلم بآليات تنفيذ على الأرض المنكوبة حتى اللحظة، لينبت التفاؤل واثقاً به وبنا.

تغيير الأشخاص لن يحل معضلتنا الحضارية، بل تغيير الثقافة ومنظومة المفاهيم، بدءاً من الحرص على عدم رمي ورقة في الشارع، إلى الوقوف في الطوابير واحترام الآخر والإقرار باختلافه.

هي الحاجة لمناهج ونهج يواكب العصر وتطلعاته، الحاجة لتربية جديدة لرجل الأمن والمواطن والمسؤول، فلسفة جديدة تحوي المواد اللاصقة نفسها، التي نجحت في شد أجزاء قارة بأكملها لتصبح الولايات المتحدة الأميركية.

تغير الدساتير والقوانين والنظم، وحده غير كافٍ. سنطمئن فقط إلى القادم، إذا نجحت قوى التغيير في وضع قواعد محكمة نبني عليها، فيكون القطاف ليس آنياً، بل بعد حين، لكنه أكيد ومكين.