بينما تنصرف الأذهان في عالمنا العربي إلى نهر الدماء الهادر في سوريا، وإلى المحاولات الدائبة للخروج من الفوضى الناجمة عن غياب الأمن في مصر وبعد الأفق فيها عن الحد الأدنى من وضوح معالم المستقبل، وإلى طبول الحرب التي يعلو هديرها في جنوب السودان، وإلى المستقبل الذي احتجبت ملامحه في رماد الحاضر اليمني، تمر في صمت يكاد يكون جنائزياً تطورات على قدر بالغ من الخطورة بالنسبة للعالم العربي، ومن المؤكد أن تزامنهما معاً أبعد ما يكون عن الصدفة. أما التطور الأول.

فساحته واشنطن، التي تم فيها تسريب معلومات عن تفاصيل ما سيطلق عليه مذهب أوباما الدفاعي، وهذه المعلومات تتحدث عن اعتماد ما سمي بـ«القواعد العائمة»، التي يعتزم الأميركيون استخدامها في البحار القريبة من المناطق الساخنة، لتكون محطات انطلاق لعمليات عسكرية تنجز مهمات قاضية. هكذا إذن يكتمل الثلاثي الذي اعتمده الأميركيون في هذه النوعية من المهام، فهناك أولاً طائرات الشبح العاملة بالتوجيه عن بعد، وثانياً القوات الخاصة المنقولة جواً، ثم تأتي ثالثاً القواعد المتحركة إياها لتكون في خدمة هذين العنصرين ولتتكامل معهما.

مصادر المعلومات في واشنطن تتحدث عن تكليف إحدى البوارج الحربية المستخدمة سابقاً لعمليات الإنزال لتكون قاعدة انطلاق لعناصر القوات الخاصة المعروفة باسم «نيفي سيل»، وتتكامل معها الطائرات الشبحية الموجهة عن بعد، والتي تجمع بين مهام الاستطلاع والقصف في آن.

الهدف من هذا الثالوث، بالطبع، هو الوصول إلى مسارح العمليات بسرعة، وعلى أوسع نطاق، والانقضاض بصورة مباغتة لتحقيق أكبر خسائر في الخصم، حتى ولو كانت في صفوف المدنيين، قبل المبادرة بانسحاب مفاجئ وفوري.

هذا كله يعني أن أميركا تستعين الآن بما وصف بـ«القوة الأصغر والأذكى» لخوض غمار حرب يصفها الاختصاصيون بأنها لا عنوان للخصم فيها.

هذا كله أيضا يتزامن مع إعلان إسرائيل عن تشكيل ما سمي بـ«فيالق العمق» وهي قوات ستقوم بنوعية العمليات التي تقوم بها قيادة القوات الخاصة الأميركية، ويقع مجال هذه العمليات خارج إسرائيل.

تلفت مجلة «جينز دفنس ويكلي» العسكرية المتخصصة نظرنا إلى أن «فيالق العمق» كانت واردة من حيث تشكيلها في الفكر العسكري الإسرائيلي منذ عام 1980. وهنا، بالضبط، يطفو على السطح سؤال بديهي: إذا كانت إسرائيل تفكر في إنشاء هذا التشكيل منذ عام 1980، فلماذا لم يتحول هذا التفكير إلى واقع على الأرض إلا الآن؟

من المؤكد أن هناك خطاً ناظماً يجمع بين الثالوث الأميركي الجديد وبين رديفه الإسرائيلي، «قوات العمق»، وخاصة أننا نعرف أن الكيان الإسرائيلي مضى يضاعف جهوده المحمومة في التسلح، منذ البوادر الأولى لظهور الربيع العربي.

حقاً إن مجلة «جينز دفنس ويكلي» ستبادر إلى تأكيد أن حرب 2006 جعلت إنشاء «فيالق العمق» يطفو على السطح بقوة، ولكن ذلك لا ينفي الارتباط بين الإنشاء الفعلي لهذه الفيالق والبروز في ساحات العمليات للثالثوث الأميركي سما الصين.

إن من حقنا جميعاً، على امتداد العالم العربي، أن نتابع ما يجري في المناطق الساخنة الحافلة بالتوتر من أرضنا، ولكن من واجبنا أيضاً أن نرصد بمزيد من اليقظة مثل هذا التزامن بين ما أعلن في واشنطن وتل أبيب، لأنه ليس صدفة، وليس وليد اللحظة، وعواقبه جديرة بأن نرصدها ونتصدى لها.