غرائب وأوراق اختلطت عجباً في مجلس الأمن الدولي، تؤشر لفوضى سياسية مرعبة، قد تتمخض عن تحركات عسكرية أكثر رعبا في منطقتنا المنكوبة دوما، بعجائب السياسة الدولية.

هل حقا كانت الكآبة على وجه سوزان رايس، تعبيرا حقيقيا عن خيبة أمل الولايات المتحدة من "الفيتو" الروسي الصيني في مجلس الأمن، ضد تبني المبادرة العربية بشأن الأزمة الدامية في سوريا؟ هل فوجئ العالم حقا بالموقف الصيني تحديدا؟ أم أن الرابح من معركة مجلس الأمن هذه هو العم سام؟

قد يبدو السؤال غريبا، لكن عدم الاتزان الحالي يسمح ببعض الغرائبية الموجهة في السياسة الدولية.

ظهر الروس والصينيون بشكل الشيطان المساند لمجازر حمص، وعليه فإن الحراك الشعبي العربي سيتجه إلى شيطنتهم ومحاولات مقاطعتهم وتعطيل مصالحهم الجمة في منطقتنا، والأعجب حقا هو اختيار النظام السوري هذا التوقيت بالذات لتصعيد المجازر، فهل هي مشاركة غير مباشرة في المخطط الخفي الجاري حاليا من وراء أضواء المعلن على المسرح الدولي؟

نعم، روسيا في موقف قوي باحتياطي يتجاوز تريليوني دولار، ولديها قاعدة وحيدة على المياه الدافئة في طرطوس السورية تستميت في الدفاع عنها، لكن هل تعني الكثير لموسكو صفقتا سلاح بمليار دولار مع دمشق لتستعدي غالبية نظم وشعوب العالم بهذا الموقف؟

بالتأكيد لا، ما يعني الروس حقيقة ليس سوريا، بل إيران، ونحو 40 مليار دولار هي قيمة صفقات بناء المحطات النووية على الأرض الفارسية.

يعرف الروس جيدا أن سوريا في المخطط الغربي، ما هي إلا محطة في الطريق إلى إيران. هم يدركون أن بورصة نفط نيويورك يسيل لعابها لمرأى الخزان النفطي الإيراني، وتاليا التحكم في وقود العالم، يفتحون صنبوره لمن يريدون ويغلقونه في وجه من يشاؤون، ومن ثم يستطيعون تبخير التريليوني دولار الروسيين في غمضة عين، عبر مضاربات الأسعار. هذا الرعب مضاعف لدى الصينيين، الذين يعتمدون تماما على نفط الشرق الأوسط في مواصلة التوسع والنمو الاقتصادي، ويخافون أكثر تغير النظم بأخرى لا يمكن التنبؤ ببوصلة تحالفاتها.

لكن هل كان سيناريو "الفيتو" حكيما أم مغامرة غير محسوبة تم استدراج العاصمتين إليها؟

ما جرى هو إعلان موسكو وبكين صراحة معاداة الإرادة العربية، ممثلة في مشروع الجامعة إلى مجلس الأمن، ولا ندري كيف غابت عن الروس والصينيين تحديدا، تجارب سابقة كانت كارثية النتائج، حين قاد الأميركيون تحالفا خارج مجلس الأمن في كوسوفو والعراق، فكان لزاما عليهم التحوط من تكرار السيناريو.

حين يتولى مجلس الأمن معالجة أزمة ما، فإنه ملزم بلوائح وقوانين وأعراف الأمم المتحدة، بينما إن تشكل تحالف دولي من خارج مجلس الأمن لمعالجة هذه الأزمة، فإنه لا قانون دوليا يحكم تحركات وأفعال هذا التحالف.

التحالف الخارج عن محددات ونظم الشرعية الدولية قادم لا محالة، وها هو رئيس المجلس الوطني السوري المعارض برهان غليون، لم ينتظر ساعات ليعلن أن التحرك القادم أو الخطوة التالية هي طلب تشكيل هذا التحالف العربي الدولي، في سيناريو شبيه بما حدث في العراق، بعيدا عن مطامح ومصالح وحسابات و"فيتو" موسكو وبكين. حل مرجح فعلا: تحالف خارج مجلس الأمن، ربما يعمد إلى خليط من السيناريوهين في كوسوفو والعراق، لإطاحة النظام السوري.

إذن، ماذا في وسع الروس والصينيين أن يفعلوا حيال ذلك؟ وهل فعلا استدرجوا لهذا الموقف غير المدروس؟!