العالم كله يتطلع إلى البحر المتوسط اليوم، ويتابع بمزيد من الاهتمام ما يجري على سواحله، ويرصد ما يمكن أن يسفر عنه المستقبل، ففي السواحل الجنوبية لهذا البحر تتوالى التطورات التي يفرزها الربيع العربي، وتتعدد انعكاساتها في العديد من دول العالم.

في شرق المتوسط يتشح الأفق بالغموض وتتراص حياله علامات الاستفهام، فلا أحد يدري إلى أين تمضي الأحداث في سوريا، ولا أحد يعرف على وجه الدقة أي المواقف ستتبناها تركيا، وفي غضون ذلك تتعدد برامج زيادة التسلح في إسرائيل، على نحو لا يجعل من الحرب شبحاً، وإنما قبضة تطرق الأبواب.

على سواحل البحر المتوسط الشمالية، تمتد الدول المرشحة لسيناريوهات بالغة الخطورة، تبدأ من اليونان، وتمتد إلى إيطاليا، ثم لا تتوقف عند إسبانيا.

في غضون ذلك لا تكف واشنطن عن متابعة ما يجري في المتوسط، الذي يصفه المحللون الأميركيون بأنه «قارة سائلة». وتربط روسيا مواقفها مما يجري في شرق المتوسط بوصولها المنشود إلى المياه الدافئة، بل ولما بقي لها من حضور كقوة عالمية، وتتابع الصين اهتمامها الذي لم يتوقف لحظة بالبحر الذي تتعدد مصالحها على امتداد شواطئه. هذا كله، بالضبط، هو الذي جعل العالم يتابع بكثير من الفضول الكتاب الذي صدر، أخيراً، بعنوان «البحر العظيم.. التاريخ الإنساني للبحر المتوسط»، عن مطبعة جامعة أكسفورد، لمؤلفه ديفيد أبو لافيا، الأستاذ بجامعة أكسفورد، والذي سبق أن أصدر مجموعة كتب تدور جميعها حول البحر المتوسط.

من ناحية المدى التاريخي، فإن هذا الكتاب يرصد تاريخ البحر المتوسط، على امتداد عشرين قرناً تقريباً، أي منذ أكل سكان كهف كرور ماجنون في جبل طارق إلى النور حتى عصرنا الحالي.

ومن الناحية الموضوعية، فإننا بإزاء رصد وتحليل دقيقين لملحمة التفاعل بين الأمم والشعوب والحضارات لإيضاح كيف أنه من خلال الخلافات في اللغات والأديان والقوانين برز ما نلخصه اليوم بكلمة «الثقافة» بمعناها الواسع الذي تبنته منظمة «اليونسكو» والذي يصبح مرادفاً لنهر الحياة الهادر والفعال والمؤثر، على امتداد سواحل البحر المتوسط. بهذا المعنى فإن كتاب «البحر العظيم» هو في المقام الأول رصد لتاريخ التفاعل الإنساني، الذي أفرز حضارات البحر المتوسط بكل ما فيها من عناصر العظمة ودروس الانكسار معاً.

لست أشك في أن القارئ العربي لهذا الكتاب سيتوقف عند عنصرين مهمين، يثيران الفضول لدينا جميعاً:

❊ العنصر الأول هو دور الأميركيين في هذه الملحمة، فنحن نعلم أن أول حروب خارجية خاضتها البحرية الأميركية كانت على ساحل المغرب العربي، تماماً كما نعرف أن آخر تدخل للمؤسسة العسكرية الأميركية كان في المأساة الدموية التي شهدتها أرض ليبيا وآفاقها. وكما قد نتوقع مسبقاً فإن المؤلف يؤكد لنا أنه رغم كل التعديلات على الاستراتيجية الأميركية، فإن البحر المتوسط سيظل منطقة بالغة الأهمية بالنسبة لواشنطن.

❊ العنصر الثاني هو: هل سيواصل البحر المتوسط القيام بدور مهم في الاقتصاد العالمي في القرن الحادي والعشرين؟

الكتاب يرد على هذا السؤال بالقول إن الكثير يتوقف على طبيعة العلاقة المستقبلية بين أوروبا وشمال أفريقيا، وإنه من المتصور في هذا الإطار قيام علاقات اقتصادية وثيقة بين دول الربيع العربي والقارة الأوروبية تعتمد في المقام الأول على التجارة الحرة. وفي غضون ذلك تظل تحت آفاق البحر المتوسط علامات استفهام كثيرة ينبغي أن نتصدى لها بالاكتشاف والمعالجة، اليوم قبل الغد.