لا أدري أية "حكمة" عجيبة وراء إصرار النظام الحاكم في سوريا على العناد، أمام العزلة المطبقة داخليا وخارجيا، باستثناء دعم مصلحي وطائفي دولي أو إقليمي، ولا سيما أن التاريخ الحديث جداً يقول بسرعة تغير التحالفات المصلحية.

ماذا في وسع روسيا أن تفعل لتبقى على موقفها الحامي للنظام السوري في مجلس الأمن؟

على أن لا استهانة بعناد الدب الروسي، فإن تنامي الحديث الاحتجاجي في موسكو عن فساد كبير في الكرملين، فضلا عن وصول أذرع الأخطبوط الأميركي إلى الغالبية الساحقة من مساحة الكرة الأرضية، يجعل من التبدلات في المواقف أمرا محتما.

فإذا ما ترافق ذلك مع صفقة تحت الطاولة بين الإدارة الأميركية ونظيرتها الروسية بشأن ضمانات ما، بأن تظل روسيا هي المصدر الأول للغاز الطبيعي، بعيدا عن تهديد أنبوب الغاز القطري إلى أوروبا عبر تركيا، والذي أحبطه النظام السوري لمصلحة موسكو، فإن العزلة مطبقة لا محالة على النظام السوري.

يمكن أن نفهم أن شحنات السلاح الروسية الأخيرة إلى سوريا، هي من باب تمكين النظام من الصمود أكثر لتحسين شروط التفاوض لدى موسكو أمام التحالف الأميركي الأوروبي.

إذن، ميزان القوى الحسابي على الأرض، يذهب إلى غير صالح النظام السوري، وشروط استمرار بقائه معدومة، ولا شيء سوى معجزة ما تمكنه من المشي على أكوام الجثث للأمام، لكن في المقابل لا بد من نظرة فاحصة على البديل.

طبعا تتقدم الصفوف حاليا جماعة "الإخوان المسلمين"، التي بدأت منذ الآن ترسل الإشارة تلو الأخرى عن مدى مرونتها اللازمة للحكم، سواء من حيث إعلان استعدادها للانخراط في نظام مدني وحتى علماني، أو لجهة ما قيل عن عدم ممانعتها في الحوار مع النائب الأول للرئيس السوري فاروق الشرع، بناء على اقتراح الجامعة العربية تسلمه بعض صلاحيات بشار الأسد.

في المقابل، تبلورت قوى معارضة عريضة باسم المجلس الوطني برئاسة برهان غليون. ورغم اليافطات التي رفعت قبل أسابيع عدة بمنح هذا المجلس شرعية تمثيلية، إلا أن أوراق القوة الرئيسية بيده، منحت له من قبل المجتمع الدولي وعواصمه المؤثرة.

مجلس برهان غليون، كما تواتر منذ البدء، يستعجل التدخل الدولي للخلاص من نظام بشار الأسد، لكنه لم يفصح عن أي برنامج يحمل تصوره لسوريا ما بعد الأسد، وتركزت كل أدبياته ومنابره على مسألة إطاحة النظام فقط.

أي سوريا جديدة تريد المعارضة: ليبرالية رأسمالية، أم ديمقراطية اشتراكية؟

الإجابة تحدد مغانم ومكاسب المواطن السوري في المرحلة المقبلة، هل سيحافظ على امتيازاته الحالية يتصدرها التأمين الصحي والتعليم المجاني؟ أم سيعاني حقبة عنوانها القطيعة الكاملة مع الحقبة السابقة، بكل ما تحويه من فساد واستبداد.. وميزات أيضا؟

هل يكفي شعار الحرية فقط، لإقناع الغالبية الساحقة من الشعب بالتخلي عن كل امتيازاتها؟ أم على المعارضة النخبوية الإعلان صراحة عن أن هذه الميزات هي مكتسبات ينبغي عدم التفريط بها، بل والبناء عليها ليتحقق العامة من جدوى متلازمة الخبز والديمقراطية؟

أسئلة هذا أوانها، وبرنامج بديل لا يجب بأي حال من الأحوال أن تشوبه فجوات أو ثغرات متروكة لمفاجآت اللحظة الأخيرة، وفاء لوعد الثورة الناجزة، وثمنا عادلا لجداول الدم التي صبغت طرقات الحالمين بحياة أفضل.