الذين قرأوا، بحب وتعاطف، كتاب «إمبراطوريات الرياح الموسمية» للكاتب البريطاني الراحل ريتشارد هول، من ترجمة كاتب هذه السطور وإصدار مركز الإمارات للدراسات الاستراتيجية، والذي يقع في قرابة ألف صفحة، يعرفون أن هذا الكتاب كشف النقاب عن الفراغ الهائل الموجود في المكتبة العربية، والمتعلق بكل ما له صلة بالتاريخ البحري الحربي لهذه المنطقة من العالم، التي نعيش فيها.

ما كان يمكن إلا أن أتذكر الحقيقة الموجعة، التي مفادها أن هذا الكتاب البديع لم يعد له وجود، حيث نفدت طبعته الأولى تماماً، من دون أن يفكر الناشر في إعادة إصداره، وذلك مع إطلالة كتاب مهم في الميدان نفسه، هو كتاب بروفسور روبرت هولاند، الصادر قبل أيام، بعنوان «إمبراطورية الماء الأزرق البريطانيون في البحر المتوسط منذ 1800».

الصفحات البالغ عددها 464 صفحة والتي يضمها هذا الكتاب الأخير تمتد أمام القارئ كأفق بديع يدعوه للارتحال عبره نحو المجهول.

ولكن حتى الطريق إلى المجهول له محطات، وأبرز المحطات في هذا الكتاب تبدأ من الوجود البريطاني في جبل طارق، وصولاً إلى كورفو، وامتداداً إلى قبرص، وانتهاء بالاحتلال البريطاني لمصر. وأول ما يلفت نظرنا، فيما يوشك أن يكون صدمة، أن المؤلف يذهب إلى القول: إن استيلاء البريطانيين على هذه المواقع، شأن استيلائهم على الكثير من المستعمرات، إنما جاء بمحض الصدفة، على وجه التقريب، حيث إن معظمها سقط في قبضة لندن في أعقاب سقوط الامتداد القاري لإمبراطورية نابليون.

وينقل المؤلف عن مراقبين بريطانيين قولهم: إنه على الرغم من غواية الهند والشرق الأقصى، فإن بريطانيا كان لها دوماً قدر متعلق بالبحر المتوسط، وتبرز هنا، بالضبط، مقولة ج. ف. ليكي الشهيرة عام 1808: «إذا استبعدنا في بعض الأحيان من قارة أوروبا، فلا بد لنا من أن نشكل لأنفسنا قارة متوسطية، متكاملة بأجزائها وكافية في ذاتها».

والمؤلف لا يقف عند هذا الحد، وإنما يذهب إلى أن مناطق مثل جبل طارق ومالطا لم تكن مهمة بالنسبة للبريطانيين كأماكن لحراسة الطريق إلى الهند فحسب، وإنما كانت موانئ ومواقع تسمح للبحرية البريطانية بالسيطرة على المداخل إلى جنوب أوروبا وشمال إفريقيا وشرق المتوسط. ولما كنت من جيل قرأ في كتب التاريخ في بلاده المؤلفة بأقلام مشبعة بالروح الوطنية، فقد كنت أشعر بالانزعاج كلما قرأت في كتب التاريخ البريطانية تصويراً لاحتلال مصر وكأنه كان نزهة للقوات البريطانية.

روبرت هولاند يقدم لنا استثناء من هذه القاعدة البريطانية، فهو يرسم صورة للاحتلال البريطاني لمصر أكثر اتساماً بالواقعية، حيث يتدفق الدم شلالاً صاخباً من أرض المعارك، سواء في الاسكندرية أو في التل الكبير، ويوضح كيف تراكمت جثث الألوف من الجانبين في ساحات المعارك.

وينقل المؤلف عن شهود عيان قولهم عن موقع إحدى المعارك بعد انتهاء القتال: «جثث قتلى، أسلاك برق، أشياء منوعة محطمة وملقاة.. كانت النيران لا تزال تشتعل في الدور وأعمدة الدخان تتلوى متصاعدة إلى عنان السماء».

أرض هذه المعارك هي نفسها التي قدر لها أن تكون الأرض التي كتبت نهاية الإمبراطورية البريطانية، من خلال حرب السويس.

حقاً إن المؤلف يصر على أن يذكرنا بأن الإمبراطورية المتوسطية البريطانية لا تزال لها بقايا، متمثلة في جبل طارق وبعض القواعد في قبرص، لكن تلك البقايا هي دعوة للنسيان بأكثر مما هي إعلان حضور.

وتبقى الأهمية الحقيقية لكتب من هذا النوع كامنة في أنها تعيد إلينا بكثير من التوهج والوضوح نبض الشعوب التي تصدت للإمبراطورية البريطانية، تماماً كما تتصدى لمن ورثوها، حتى ولو كان ذلك بإرادة القتال والقبضات المشرعة في سماء الغضب.