أتمنى على القارئ أن يتذكر عنوان هذا المقال، ليس لأنني جئت فيه بما لم يأتِ به الأوائل، وإنما لأنه هو نفسه عنوان الكتاب الجديد، الذي سيصدر في غضون أيام قلائل، لمؤلفه زبنجيو بريجنسكي، المستشار الأسبق للرئيس الأميركي لشؤون الأمن القومي.

لا تنبع أهمية هذا الكتاب من الثقل الذي يشكله مؤلفه على الصعيد الفكري وعلى مستوى الحركة السياسية فحسب، وإنما تنبع من أنه يشكل فرصة نادرة لكي نضع أيدينا على الطريقة التي يفكر بها واحد من أهم معاقل البحث السياسي في العالم، وهو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن، الذي يعمل فيه بريجنسكي حالياً. يكفي أن نقرأ العنوان الفرعي للكتاب، وهو «أميركا وأزمة القوة العالمية»، لكي نشمّر عن ساعد الجد، لكي نقوم بدراسة تحليل مضمون دقيقة للصفحات الثماني، التي قدمتها دورية «فورين أفيرز» كمقال هو مقتطف طويل من هذا الكتاب.

أول ما سنتوقف عنده في السطور الأولى من هذا المقتطف هو أن بريجنسكي يبادر إلى تأكيد أن التحدي المحوري الذي يواجه أميركا في العقود العديدة المقبلة هو إحياء نفسها، والدعوة إلى غرب أوسع نطاقاً، ودعم توازن معقد في الشرق يمكن أن يستوعب مكانة الصين العالمية البازغة.

من الواضح أن كل جزئية من هذه الجزئيات الثلاث، في التحدي الذي يشير إليه بريجنسكي، هو برنامج عمل له أول وليس له آخر، على الأقل في المدى المنظور.

ولست أشك في أن الكثيرين سيتوقفون طويلاً بمسطرة وقلم رصاص حاد، على الأقل كما أفعل أنا حيال الكتب التي أهتم بها، لتحديد إشارات ونقاط توقف في تحليل بريجنسكي للوضع المستقبلي للصين.

هذا هو ما يفرضه جوهر الحوار الذي أجرته صحيفة «فاينانشال تايمز» على صفحة كاملة مع بريجنسكي في ملحق عددها الصادر في 15 يناير الجاري، والذي لم يتردد فيه في الإعراب عن إعجابه الشديد بالنطاق المدهش لإحاطة القادة الصينيين بالقضايا الدولية، مقارنة بنظرائهم في الغرب، فضلاً عن إشارته إلى براعتهم في إجراء المفاوضات على المستوى الدولي.

لكنني لا أملك إلا التوقف طويلاً عند دعوة بريجنسكي إلى «غرب أوسع نطاقاً» فما الذي يعنيه بهذا المفهوم على وجه الدقة؟ وما الأهداف منه بالضبط؟ وما هي القوة أو القوى التي يتصدى لها؟ وما هي العلاقة التي ستربط هذا الغرب الأوسع نطاقاً بالوطن العربي الذي يشكل الأرض المواجهة للبطن الطري لجانب ليس باليسير من الغرب الذي يدعو إليه بريجنسكي؟

في مواجهة هذا الفيض المحير من علامات الاستفهام، دعنا نتوقف عند ما تسميه «فاينانشال تايمز» بالنصائح الحادة، التي يفيض بها كتاب بريجنسكي، فهو ينصح الولايات المتحدة بإقناع أوروبا بأن تجلب كلاً من روسيا وتركيا إلى هذا الغرب الأوسع نطاقاً. في نفس واحد تقريباً من الحوار، يربط بريجنسكي دعوته للغرب الأوسع نطاقاً بتشديد على «تحوط» أميركا من نهضة الصين من دون أن تحاول احتواءها بشكل صريح، على نحو ما سبق أن احتوت الاتحاد السوفييتي، وهذا كله لن يكون له معنى ما لم تقم أميركا بإحياء اقتصادها الداخلي، إذا أرادت أن تبعد عن نفسها المزيد من التراجع والتردي.

ويبدو بريجنسكي على قدر كبير من التشاؤم حيال إمكانية أن النخبة الأميركية ستبدأ التحرك على الصعيد الاستراتيجي مجدداً، ولا يتردد في القول: «إذا لم تعد أميركا إحياء نفسها داخلياً، فإنها سوف تفشل دولياً».

وفي غضون ذلك، يؤرقني سؤال معذب: أين موقعنا نحن العرب على هذه الخريطة المستقبلية المعقدة؟