ذات مرة، حين صفق الضابط الأميركي بكفيه على صلعته قائلاً: يا إلهي ما الذي نفعله في العراق؟! ظننت أن المشاعر يمكن أن تؤثر في المصائر، لكن هيهات ذلك في عالم السياسة، حيث الخطط الميكانيكية لا تلتفت لـ"حسابات الضعفاء" القائمة على المثل والمبادئ.. فقط الغنائم هي ما يهم.
العراق الآن بعد الانسحاب الأميركي، متروك لمخلفات "الفوضى الخلاقة"، والتي آتت أكلها أميركياً بنقطة جديدة على الحزام النفطي العالمي الذي حلم به ذات مرة ديك تشيني، أخطر نواب الرئيس في تاريخ الولايات المتحدة.
مثلما هي ذاكرة المصالح المادية البحتة ضعيفة، وما ينز عنها من رائحة مميزة للعم السام تزكم أنوف الحلفاء الذين يتم التخلي عنهم أو التخلص منهم، من دون رجفة جفن حتى، فإن ما تعكف على تسريبه حالياً دوائر "مجهولة"، عبر الموقع الالكتروني الشهير "ويكيليكس"، يشير بوضوح إلى أننا لم نستوعب الدرس بعد، وما زلنا أسرى الخلط المريع بين الشخصية الأميركية الشعبية الطيبة حد السذاجة، وبين الرابضين في البيت الأبيض ومحيطه يشحذون المخالب والأنياب.
آخر ضحايا الدائرة نفسها هم "شباب الثورة المصرية"، هؤلاء الذين تنادوا عبر "فيس بوك" وغيره إلى الشوارع، مشعلين حركة احتجاجية مطلبية عارمة أطاحت بأعتى النظم العربية، غير آبهين بتشكيك وتنصل الحركات الإسلامية بمبادرتهم هذه، قبل أن تلتحق هذه الحركات متأخراً بالركب للمزاحمة، ومن ثم الاستئثار بالنصيب الأكبر من غنائم صناديق الانتخابات.
بداية أطلق أعضاء في المجلس العسكري المصري اتهامات لـ"حركة 6 إبريل" بالتدرب وتلقي التمويل ومن ثم التوجيهات من دوائر غربية، بعدما أصرت هذ الحركة على مواصلة "الثورة" حتى آخر المشوار، ثم واصل "ويكيليكس" المهمة بنشره وثائق عن عشرات اللقاءات التي جمعت ناشطين حقوقيين مصريين مع مسؤولين أميركيين، سواء في بلاد العم سام أو في مبنى السفارة الأميركية في القاهرة، فضلاً عن تلقيهم مساعدات مالية ولوجستية من هيئة المعونة الأميركية، بينما تلقى بعض الثوار الرافضين للمعونات تدريبات على إشعال وقيادة التظاهرات وغيرها.
من أوضح السمات السياسية وأشد متطلباتها هو التحالف، فلا طرف في يده القوة والحل والربط، يحتاج إلى آخر قوي، ولأن الشرق كله ضعيف فإن التحالف قدر غريب ومفروض، على أساس أنه "شر لا بد منه"، لكن خللاً يتبدى دوماً في قصور الذهن الشرقي، المدرب على إدارة التحالف لمصلحته من دون أن يتحول الى أداة في يد حليفه الأقوى منه، يعصر كالليمونة ويرمى.
هو درس في فن التحالف الحذر مع العم سام، وعدم تسليمه كل أوراق اللعبة. درس في غاية القسوة، دفع ثمنه الشباب الليبراليون العرب في خضم سعيهم للمستقبل الحر المرفه والحديث، تحملوا عبء البداية فخذلتهم كل الأطراف: صناديق الاقتراع، ودوائر القرار الأميركية، التي أعدت خطتها منذ البدء لضرب التيارات السلفية المتشددة بتيارات الاعتدال في جماعة "الإخوان المسلمين" عبر التحالف الناشئ والعلني مع الأخيرة، واستثمار هذا الصعود السني في محاصرة المد الطائفي الإيراني.
هكذا عادت المجتمعات العربية مجدداً إلى قوس البداية، وحرمت مرة أخرى من التطور والارتقاء الذاتي وإعطاء مؤسسات المجتمع المدني فرصتها المشتهاة، وإغراقها في الصراع الاجتماعي الثقافي مع الحركات الإسلامية، وتعطيل عجلة الإنتاج.. وبقائها أسيرة متطلبات الاستهلاك والعقم الاقتصادي.
درس جديد، رغم أن الأجداد منذ مئات السنين أورثونا خلاصته: ما حك جلدك مثل ظفرك. لكننا دأبنا على استيراد آلات تقليم الأظافر فقط!