تحليل المخاطر عمل لا بد من القيام به على كل المستويات، قد يتم القيام به بحد أدنى من الوعي عندما يواجه رب عائلة بسيط ظروفاً شائكة تعرقل مسيرة عائلته وتقدم أبنائه، وهو أيضاً ما يقوم به المحللون والاختصاصيون في الشركات العملاقة، وصولاً إلى المجالس المتخصصة على مستوى الدول.
وهذا العمل، المعقد بطبيعته، هو جزء لا يتجزأ من عملية حتمية، هي إدارة الأزمات، ولكن سمته التي تمنحه أهمية فائقة، هي أنه يستشرف آفاق المستقبل، وبالتالي يرصد التطورات، قبل أن تصبح عنصراً من عناصر تعقيد الأزمات، التي تتعين إدارتها.
لو أنك سألت: من الذي يدير الأزمات في مصر الآن في ضوء ما تضخه شاشات الفضائيات من حكايات وأقاصيص وعجائب، بدا لك للوهلة الأولى أنه لا أحد يديرها، ولو أنك كنت كثير التسامح لاكتفيت بالقول إن هناك من يديرها، ولكن على أسوأ مستوى يمكن تصوره من الكفاءة، أو بالأحرى من انعدام الكفاءة.
لكن ما يعنيني هنا هو إدارة المخاطر، أي التعامل مع الاحتمالات قبل أن تصبح واقعاً يفرض نفسه، ويشكل جزءاً من أزمة تلقي بثقلها على الجميع، ويتعين أن تدار وإلا استحضرت فيضاً من الكوارث.
ومن منظور إدارة المخاطر، فقد بدا أن مصر على امتداد معظم عام 2011 في سبيلها إلى تحول سياسي حافل بالمشكلات، لكنه يتم التحكم به، من دون أن تبدو في الأفق احتمالات انفلات حقيقي، وهو تحول يلبي على الأقل جانباً من توقعات التيار الإسلامي والقوى العلمانية، بينما يبقي نوعاً من «الإشراف» للمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية.
هذا التصور لا يمكن وصفه بأنه يشكل قوام ثورة. هذا صحيح، ومن هنا دار الحديث عن ثورة مصرية ثانية، ولكنه أيضاً لم يكن نتيجة سيئة، مقارنة بما كان سائداً قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير.
غير أن المشهد في عام 2012 يبدو مختلفاً، فحتى الانتقال في ظل السيطرة، وبحد أدنى من الإدارة الجيدة، يظل في مهب المخاطر. هذه الحقيقة البديهية يأخذها البعض إلى أسوأ التوقعات، فهناك من المحللين الغربيين من لا يتردد في توقع عاصفة من الغضب تجتاح صفوف العسكريين والمدنيين، وأيضاً صفوف الإسلاميين والعلمانيين، ويرى أن المشهد سيتحول إلى سيناريو كابوسي.
وهواة السيناريوهات الكابوسية لا يتوقفون عند هذا الحد، وإنما يصرون على المضي إلى ما هو أكثر سوداوية من ذلك، فهم يقفزون إلى انهيار للتفاهم بين العسكريين والإخوان المسلمين، وربما إلى ما هو أسوأ من ذلك.
هنا، بالضبط، نجد أنفسنا أمام التخمين من قبل هؤلاء المحللين الغربيين، بل والأسوأ من ذلك نجد أنفسنا أمام التفكير بالتمني من قبل بعضهم، الذين لا يترددون في الحديث عن انهيار خط الأساس للاستقرار في مصر، ومن ثم في المنطقة ويستبعدون إمكانية عودة الانتعاش الاقتصادي، وبصفة خاصة تأثير غياب الاستقرار في قطاع السياحة المصري.
ونقول إن من أولى بديهيات إدارة المخاطر رصد القوى الإيجابية التي برهنت على حضورها، في سياقات تاريخية مناظرة.
والذين يعرفون تاريخ مصر جيداً يعلمون أنه من قلب السيناريوهات الكابوسية والسوداوية كانت تخرج دوماً متغيرات تدور حول إرادة الشعب المصري، التي طالما أطلت من قبل رماد العدم لتستأنف مسيرة الحياة.
هذه المتغيرات ليست استحضاراً لقوى من المجهول، وإنما هي التجسيد الحقيقي لشعب عرف دوماً كيف يواجه التحديات، ويبرهن على حضوره الفائق، ويحبط هواة السيناريوهات الكابوسية.
فلننتظر، ولنر، فليس الغد ببعيد.