مع عدم انتفاء سياسة إبراء الذمة، أو محاولة النأي التدريجي من دون عداوة فاضحة، فإن «وساطة» خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة «حماس» الفلسطينية، ونقله رسائل متبادلة بين نبيل العربي أمين عام جامعة الدول العربية، والنظام السوري، تثير أسئلة عدة لا الاستغراب فقط، في مجمل إجاباتها ترسم ملامح جديدة لمشهد الربيع العربي.

أول هذه الأسئلة: بعد ما يقارب العام من الثورة السورية ومشاهد دم عميم أثارت حفيظة كل الأمم، كان الصمت يلف خلالها مواقف «حماس»، باستثناء بعض التصريحات المحايدة الصادرة من قطاع غزة، لا دمشق مقر مشعل، الذي تواترت أنباء عن ترتيبات يقوم بها للانتقال إلى العاصمة الأردنية عمان.

وبعد ظهور مؤشرات فشل فريق المراقبين العرب والبروتوكول المحمول على عجل وارتباك، الفشل في منع تدويل الأزمة في سوريا ونقل الملف إلى مجلس الأمن، أتت وساطة مشعل، تغريدة خارج السرب بعد ذلك التوافق النادر بين كل الأطراف الفلسطينية على النأي بالعامل الفلسطيني بعيدا عما يجري في الشوارع السورية، وحرمان دمشق من الاستثمار المعهود لهذه الورقة، والتعامل مع الناشئ اللاهب في سوريا كشأن داخلي، مع الميل غريزيا إلى جانب الشعوب.

ثاني الأسئلة: ما علاقة هذه الوساطة بالمفاوضات الجارية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل في الأردن برعاية اللجنة الرباعية الدولية؟

كانت البشائر تتوالى بشأن خطوات ملموسة للمصالحة الفلسطينية بعد مفاوضات طويلة في القاهرة بين وفدي حركتي «فتح» و«حماس»، سرعان ما عادت الأخيرة إلى لغة التصعيد والاستفزاز عبر اتهام سلطة محمود عباس بالعمل في اتجاه معاكس حين اتخذ «منفردا» خطة محاولة استئناف المفاوضات مع إسرائيل، رغم إعلانه جهارا أنها لن تستأنف ما لم تلبى شروطه بوضع جدول زمني متوافق عليه دوليا ووقف الاستيطان.

ثالث الأسئلة: كيف تستقيم «وساطة» مشعل هذه مع التوجه التصالحي التحالفي الناشئ حاليا بين جماعة «الإخوان المسلمين» والولايات المتحدة الأميركية، وتسيد هذه الجماعة الساحات الانتخابية في ثلاثة أقطار عربية تمثل طليعة حقبة الربيع العربي، ولا سيما أن «حماس» وفق برنامجها الداخلي والمعلن هي «جزء عضوي» من الجماعة الإخوانية.

كل متابع لمواقف «حماس» مما يجري على الساحة العربية، يلمس ذلك الفتور وعدم التهليل لفوز «الإخوان» في الانتخابات التشريعية في المغرب ومصر وتونس. إذن، على ما تقدم، فان الملاحظ أن «حماس» عانت عزلة مزدوجة في العام الماضي مع تضعضع المعسكر المساند لها في إيران وسوريا والسودان، وحتى من الجماعة الإخوانية الأم، التي سارعت إلى التنصل من القفزة الشرسة للحركة الفلسطينية والقبض على السلطة في قطاع غزة، على غير ما يريد الحليف الأميركي الجديد.

هذا من جهة، ومن الأخرى فان «حماس» كغيرها من الحركات تعاني اصطفافا، لا يرقى لحد الانقسام الحاد، في صفوفها القيادية، وهو ما بان غير مرة في التناقضات الصادرة من غزة وتلك الصادرة من دمشق، لكن الجميع يعلم أن مركز القوة هو في يد القابض على التمويل أي مشعل، ولا ننسى أن المصرف المركزي الإيراني ذكر سابقا أن مجموع «المساعدات» المقدمة لــ «حماس» يقارب المليار دولار.

توضح ذلك أكثر في اهتمام «حماس غزة» بأن لا تنفرد السلطة في المفاوضات مع إسرائيل أي المشاركة وإظهار الوجه الليبرالي للراعي الأميركي لعملية السلام، بينما ينصب اهتمام «حماس دمشق» في محاولة تقديم طوق نجاة للنظام السوري، عملا برد الدين القديم.. وربما تفادي فتح ملفات أخرى.