الأرقام تعني الكثير في حاضر العالم ومستقبله، بالطبع ليست تلك القائمة على المصادفة من مثل توقع نهاية الحضارة البشرية قياساً إلى تكرار زمني للرقمين واحد واثنين، بل تلك التي لها روح تسري في مفاصل الحياة.

عبور العام 2011 إلى 2012، لن يغير الكثير، وهو يوم آخر فقط، لكن الآمال المعلقة تكسب الرقم الجديد المعنى، وعلى رأس هذه الآمال أن يكون عبور المجتمعات العربية إلى حقبتها الربيعية سلسا وسالما من دوائر التدمير الذاتي.

كنت أعجب إبان الحرب الليبية الداخلية، ومستوى الجريمة الهائل في ثنايا الاقتتال، وحاضرا كنا نخاف حقا على الوضع السوري، مع الإعلان عن ولادة الجيش السوري الحر.

طبيعي أن يكون لكل جريمة عقاب، ولكن طبيعة العقاب تعكس صورة اليد المنفذة وصاحبها، فان أجرم جندي سوري بحق متظاهرين حق عليه العقاب، لكن أيا من المتظاهرين إذا ما امتلك سلطة في تنفيذ هذا العقاب، وارتكب ذات الجرم، انتفى الفرق بينهما، اللهم في أن لكل حقبته السلطوية.

الفارق بين المجرم والثائر يكمن في النبل وطهر الهدف، وهذا بالضبط ما نحن بحاجة إليه في سوريا، بعد فضيحة سحل القذافي. حسنا فعل الجيش السوري الحر بإعلان وقف عملياته العسكرية. لا حاجة للبحث في الدوافع المعروفة سلفا قبل انطلاق هذه المغامرة، فالمحيط الإقليمي من لبنان إلى الأردن إلى العراق وصولا إلى تركيا، كلها لا تتحمل اندلاع حريق الاقتتال الطائفي أو المناطقي أو الاثني، هذا هو بالضبط ما يعرف بحساسية الموقع الجغرافي السياسي لسوريا، وهذا بالضبط ما وعاه منذ البدء نظام بشار الأسد ولعب به كورقة ترجيح في الصراع.

كل هذا يعد مهما لكن ليس بحيوية توضيح الفارق بين الجلاد والثائر الساعي لانتزاع حقوقه وإصلاح أوضاع وطنه، فالجندي السوري «الحر» عندما ينصب كمينا ويقتل جندياً آخر أو رجل أمن أو «شبيح»، يسجل له «عملية ناجحة»، ومع استمرار الصراع وتأجج العصبيات وشهوة القتل، يغدو قانوناً سلوكياً لدى الجندي الحر بأن يقتل الخصم، والذي يمكن أن يكون مستقبلاً أحد الرفاق المتظاهرين الذين خاضوا تجربة الصدور العارية في الشوارع، وعليه فإنه يتحول تدريجياً إلى نسخة أخرى من الجندي الذي قتله.

شكراً للظروف التي دفعت المنشقين العسكريين في سوريا إلى الصفوف الخلفية، وترك مسار الثورة الجديدة لقوى المجتمع المدني الماضية في مشروعها السلمي، وصولاً إلى أخطر أسلحتها: العصيان المدني، هذا العصيان الذي قهر المستعمر البريطاني في القارة الهندية.

نعم بحثا عن ساحات الحرية هو المعركة المقبلة في سوريا، بعيداً عن رشقات الرصاص وتصفيات الحسابات أحياناً باسم الثورة، وبعيداً أكثر عن تمثل ملامح جلاد جديد.

لا يمكن إغفال آلاف الشهداء والجرحى والمعتقلين في 2011، كما لا يعقل نسيان ذلك في 2012 والبدء في زمن جديد غير مكلوم بآلة القتل العقائدية الشمولية، لكن الآمال المعقودة على العام الجديد تحمل عنوان «سلمية»: حناجر تصدح بمطالب حقة، صدور عارية إلا من الإصرار على الحرية، برامج بديلة لما هو قائم على كل الصعد السياسية والاقتصادية والاجتماعية.. ومجتمع مدني يمضي بعزم إلى مستقبله سالكاً طريقاً نقيضاً لخشونة الأحذية العسكرية التي خبرها.

الآمال تربى، على عكس الأحلام، وتزهر إن سقيت إرادة وحباً وطنياً خالصاً.