أن تعرض تركيا اللجوء السياسي على نائب الرئيس العراقي طارق الهاشمي، لهو مؤشر على أمر جلل يبيت للمنطقة.
مجرد لجوء الهاشمي، القيادي البارز في حركة «الإخوان المسلمين» العراقية إلى المنطقة الكردية في أعقاب مطاردته الغريبة من قبل رئيس الوزراء نوري المالكي بدعوى تورط أفراد حمايته بالإرهاب، يؤشر إلى اصطفاف هو الأخطر على الإطلاق في تاريخ المنطقة المكلومة، لا مواربة في القول: إن معاييره ومنطلقاته طائفية بحتة.
قبل نحو ثلاثة أعوام، سألت مارك كيميت الذي كان آنذاك مساعد وزير الدفاع الأميركي لشؤون العمليات، عن رسالة مسربة حملت توقيع المالكي موجهة إلى القيادي الشيعي مقتدى الصدر تحذره من أن الأميركيين بصدد القبض عليه، وأن عليه مغادرة العراق إلى إيران، وهو ما حدث فعلا، كان رد الرجل باردا جدا وقاطعا أيضا: ثقتنا مطلقة بالمالكي.
إذن الأميركيون يثقون تماما بالمالكي، وبالتالي هو لا ينفذ سياسات إيرانية كما يتهمه خصومه، ولكن ما الذي يدفعه لملاحقة الهاشمي والمطلك معا، وتاليا استنفار التحشيد الطائفي؟
لو كانت لإيران مصلحة في ما يحدث لما هرع مقتدى الصدر- أقرب حلفائها في العراق- لطرح وثيقة هدفت إلى لملمة الأزمة قبل انفراطها إلى مواجهة طاحنة، وعليه لا مناص من البحث في جبهات أخرى.
الموقف التركي المساند ضمنا للهاشمي، يذكر بما تسرب عن ضغوط أنقرة التي فرضت جماعة «الإخوان المسلمين» لتكون جزءا أساسيا من مكونات المجلس الوطني السوري المعارض، وهو أيضا ما يرتبط حكما بصعود نجم أحزاب «الإخوان» في انتخابات مصر وتونس والمغرب، وإشارات الغزل العلنية بين الجماعة وواشنطن.
إذن هي نذر صراع طاحن جديد يلوح في أفق المنطقة، جرته إلى المنطقة تدخلات إيران في غير ساحة من غزة إلى جنوب لبنان إلى العراق وحتى أفغانستان خلال المعارك الشطرنجية مع الولايات المتحدة، والسياسات الأميركية المضادة الرامية إلى محاصرة الجيوب الإيرانية كي يسهل عزل طهران تماما وتجريدها ولو عنوة من مطامحها النووية.
الربيع العربي لم يزهر كما اشتهى الأنف الأميركي قيادات ليبرالية بديلة للأنظمة الفائتة، بل دفع بجماعة «الإخوان» إلى مقاعد البرلمانات والحكومات، فما كان من العم سام سوى أن أخرج من قبعته المعهودة الخطة البديلة، فهيأ المناخ لبروز تحالف جديد مع القوى الإسلامية، ليس على أساس برنامجي تنموي مصلحي، بل للأسف على أساس النفخ الطائفي بالأخطار التي تهب على هذا الربيع من الجارة إيران وجبهاتها المتقدمة في المنطقة العربية.
المالكي لم ينتبه إلى ضرورة إدارة الخلافات السياسية الطبيعية المصاحبة لنظم المحاصصة الطائفية، فاختل الميزان وانطلقت شرارة التخندق الطائفي والتمترس وراء التشنج الانفجاري، تزامنا مع تضييق الخناق على النظام في سوريا، حتى إذا ما سقط كان مصير حزب الله اللبناني على المحك، بينما يسهل على حركة «حماس» الفلسطينية العودة إلى حضن الجماعة الإخوانية الأم، لتبقى إيران وحيدة، في ظل محيط معبأ طائفيا ضدها ومناخات سياسية جاهزة لاستقبال عملية تجريدها من أحلامها النووية ولو بالقوة.
الفوضى الخلاقة خلفت لغاية اللحظة أكثر من 15 ألف ضحية عربية وعشرات آلاف المصابين ومئات المليارات من الدولارات، فكم يتعين على المنطقة دفعه بعد لتكتمل حلقات هذه «الخلاقة» وانضباط فوضاها في مسارات مرسومة بحواسيب ما وراء البحار.