لمن لا يعرف، نقول إن «اللهو الخفي» اصطلاح ابتكره الشارع السياسي المصري، منتزعاً إياه من أحد منعطفات مسرحية «العيال كبرت» الكوميدية، ليشير به إلى تلك القوى الخفية، التي يعرفها الجميع، لكن أحداً لا يذكرها بالاسم، والتي تطل فجأة، لتفجر المواقف، حيث كان الهدوء سائداً، ولتعرقل المسيرة، حيث كانت الخطوات منتظمة على الطريق الصحيح.

ولمن لا يعرف أيضاً نقول إن اللهو الخفي قد فرض حضوره في كل المواقف المتفجرة في مصر، أخيراً، وعلى سبيل المثال في مذبحة ماسبيرو، وأحداث شارع محمد محمود، وأخيراً أحداث شارع مجلس الوزراء، التي أودت حتى كتابة هذه السطور ـــ بحياة عشرة أشخاص، فضلاً عن خمسمائة جريح وإحراق مبنى المجمع العلمي، الذي أنشئ بقرار من نابليون بونابرت في 20 أغسطس 1798، ومبنى الجمعية الجغرافية، بكل ما يضمانه من كنوز مملوكة لأجيال من أبناء مصر.

ولمن لا يعرف، أخيراً، نقول إن الطالع الوحشي لظهور اللهو الخفي هذه المرة وصل إلى حد لم يعد أحد يملك معه إمكانية السماح لهذا الحضور الغامض والملتبس، وأيضاً الواضح والصريح بأن يكرر لعبته الدموية، أو مأساته المروعة التي تسفر، في كل مرة، عن حشد من الضحايا من أبناء مصر الأبرياء.

هذه المرة ينبغي ألا تمر الجريمة دون تحقيق، يعهد به إلى قضاة تلك مهنتهم، ويتعين أن تكون هناك ردود عن الأسئلة التي أرهقت الناس في كل مذبحة، دون أن تجد من يجيب عنها.

إذا كان المجلس الأعلى للقوات المسلحة هو المؤمن اليوم على إدارة دولاب الدولة في مصر، فإنه ليس مفهوماً أن يسمح ــــ كسلطة عليا ــــ المرة تلو الأخرى بحدوث مذابح وحشية في شوارع مصر، دع جانباً أن يكون طرفاً فيها، لأنه يوم جرى ائتمانه على تلك المسؤولية، فإنه أصبح السلطة بمعناها الشامل، التي تحظى بالثقة من كل المصريين، وفي مقدمة عناصر هذه الثقة ألا يكون طرفاً في لعبة سياسية شائكة ودموية بطبيعتها، وألا يكون منحازاً فيها.

ليس مفهوماً إذن أن تكون أول استجابة للمجلس على أحداث شارع مجلس الوزراء إصدار بيان والإطلال بمجموعة من الصور والشرائط على موقعه عبر الانترنت.

الذين اعتصموا حول مجلس الوزراء أمضوا أسابيع هناك يطرحون مطالب وقضايا، لم يكن يكلف أحد نفسه عناء التحقيق فيها، دع جانباً الاستجابة لها، فكيف اكتسبوا فجأة وكأنما بسحر ساحر سلسلة من الأوصاف التي أطلقت عليهم، عبر الإعلام والبيانات، وفي مقدمتها اللقب المقيت.. «البلطجية»!

ليس مفهوماً، إذن، أنه كلما قطع الشارع السياسي المصري خطوات نحو الإنجاز في مسيرته، ونحو الوصول إلى هيكلية وأساليب بناء وعمل تتيح له أن يكون على موعد مع المستقبل، اندلعت، كأنما من رحم المجهول، قوى وأحداث تعيد هذه الخطوات أشواطاً إلى الوراء.

ربما لهذا، بالضبط، وعقب هذه الأحداث الرهيبة، تبدأ في الشارع السياسي المصري ظاهرة لم تكن موجودة من قبل في أي وقت منذ ثورة الخامس والعشرين من يناير، وهي ظاهرة اختلاف الكل مع الكل، ظاهرة عجز القوى السياسية عن الحد الأدنى من مد جسور الحوار، ظاهرة غياب الأرضية المشتركة، ولو في حدودها الدنيا، بين المنخرطين في العمل السياسي.

يظل الأمل معقوداً على أن تكون هذه هي المرة الأخيرة التي يطل فيها اللهو الخفي بحضوره الوحشي والكئيب في الحياة العامة المصرية، ويظل الأمل معقوداً على أن تمليك القوى السياسية في مصر من الوعي والقدرة والفعالية ما يجعلها تقطع الطريق على إمكانية إزهاق المزيد من الأرواح واشتعال المزيد من الحرائق.

يظل من حقنا أن يتحقق هذا الأمل، ربما في المقام الأول، لأن مصر تستحق أفضل مما يجري في شوارعها الآن.