عربة البوعزيزي المصادرة أضحت نصباً تذكارياً في سيدي بوزيد وسط تونس، بينما الشرارة التي كانت أول من التهم جسد الشاب التونسي المنتحر انتفاضاً على سرقة قوته، انتشرت حريقاً لأكثر من عام، أطاح بأنظمة وخلط الأوراق أمام أخرى تنتظر، ولكن «الحريق الثوري» تشظى في غير اتجاه.
تغيرت أنظمة نعم، فهل تغير النمط؟
عوداً على بديهيات علم الاجتماع وما تمخض عنه من عالم السياسة، يقول بأن الحكم وليد نظام تعاقدي بين عامة الشعب ونخبة تتوافر على ميزات قيادية، وتتولى بلورة نظم اقتصادية واجتماعية وسياسية تكفل للعامة رفاهية العيش والحريات العامة.
قياساً على ذلك، فإن غياب الأمن وتوقف حركة الاقتصاد وبقاء النخب السياسية على حالها المتحكمة بمفاصل أساسية في كل ما سبق، كل ذلك لا يعني التغيير.
الحركة الاجتماعية نحو التغيير تقوم على كتل جماهيرية كبيرة تحمل مطالب معيشية وسياسية محقة، تتقدمها نخبة معارضة لما هو قائم، وهذه تحمل برنامجاً بديلاً أرقى. هذا لم يحدث في الربيع العربي، فقد انكسرت المعادلة حين هبت الكتل الجماهيرية إلى الشوارع، فلم تجد نخبة معارضة تقود، فبقيت في العراء نهباً لكل يد مساعدة خارجية تمد، ونهباً أكثر للنزعات الطائفية والاثنية والأحقاد الاجتماعية المتراكمة.
مرة أخرى سبقت الجماهير النخبة. ومرة أخرى أثبت مثقفو الأمة عجزهم عن مواكبة هموم الناس وتمترسهم في أبراج الوهم العاجية، واقتصر وجودهم على ممثل هناك أو مغنٍ هنا، ولم نر ما كان يترسخ في قواميس الكتب بشأن «طبقة المثقفين». الأمر نفسه ينطبق على المعارضات التقليدية التي أثبتت عدم امتلاكها لأي ناصية بديل، بل برامج مغبرة بردود الأفعال والتعامل من علٍ مع الشارع. والمعارضات الشبابية الجديدة المتمترسة في الــ«فيس بوك» أغفلت بدورها عنصر التنظيم وهياكله الداخلية وبرامجه السياسية والاقتصادية، قبل إطلاق شرارة الاحتجاجات.
كل ذلك يطرح السؤال التالي: هل فوجئت النخب جميعاً بحركة الشارع؟ وبالتالي هل كانت عفوية الجماهير وحدها وراء هذا الزخم الحراكي الجبار؟
لا خلاف على شغف فطري لدى عامة الناس نحو الانفلات وكسر الأنماط الاجتماعية - السياسية القائمة، وهو ميل تعاقب علماء النفس على حشد مبرراته ومقولاته الخاصة بأن كل ما هو ممنوع مرغوب، وعلى هذا كانت الحاجة حيوية لنخب تقود وتضبط إيقاع الشارع خشية الفوضى. كذلك فإن عفوية الجماهير بقدر ما هي ضرورة لإنجاح أي تحرك مطلبي، فإن فيها مصيدة خطرة تتمثل في إمكان استدراج هذه العفوية من قبل أصابع خارجية نحو ما يخيل لهذه الجماهير بأنه وجهتها، وهو ما يتردد حديثاً باسم «الأجندات الخارجية» في ظلال الربيع العربي.
كما قلنا سابقاً، فإن الانفجار الداخلي الخجول في موسكو احتجاجاً على نتائج الانتخابات، أحدث صدى قوياً في السياسة الخارجية الروسية، التي سارعت إلى تقديم خطة لمجلس الأمن بشأن سوريا، وهو ما تزامن مع نفاد صبر الجامعة العربية من مماطلات النظام السوري والتلويح علناً برد الملف إلى مجلس الأمن، لكن على أساس المبادرة العربية، التي لا تخفي موسكو تأييدها لها.
هذا يحدث وجزء من المعارضة السورية يجتمع في تونس، بينما الأجزاء الأخرى تتوزع بين العواصم هائمة وربما هياماً، لكن تونس فيها من الرمزية ما يستحق: عربة البوعزيزي تجمع حولها حشود العاطلين عن العمل.. وربما الأمل.