مضحك تماما، حتى لدى ابن الشارع غير المتتبع لدهاليز السياسة ودواهي الساسة، أن تناشد واشنطن عشرات الآلاف من المواطنين الروس وحكومة فلاديمير بوتين على حد سواء، ضبط النفس والهدوء، إزاء "ثورة" في الشارع الروسي احتجاجا على نتائج الانتخابات، التي دفعت مجددا بحزب بوتين إلى دفة الحكم، بدعوى تزوير الانتخابات. وكأن الإدارة الأميركية تتشفى بعناد الدب الروسي، عبر معاملته بمثل دول العالم الثالث، من حيث غياب الشفافية والتقاليد الديمقراطية الحضارية في الانتخابات، وتذكير الدولة الروسية العظمى ببعدها حاليا، عن الانضمام لركب الدول المتقدمة تماما، وإن كانت تنام على حقل غزير بالصواريخ النووية.
والعصفور الثاني المضروب بالدعوة الأميركية هذه، هو التنصل من أية مسؤولية تحريضية، والإبقاء على الضربات تحت الحزام، المتبادلة بين اللدودين التقليديين في نطاق النوايا فقط، من دون التورط الصريح.
معلوم في عالم السياسة لعبة الشطرنج المصلحية، حيث الرقعة ساحة للحروب الاستخبارية الخفية وتجميع أوراق الضغط، فحيثما يتشدد طرف في بقعة ما، يتم لي ذراعه في بقعة أخرى، وهكذا يتوقف جنود الشطرنج في انتظار ما تسفر عنه المساومات.
البقعة الأهم والأسخن تقليديا هي الشرق الأوسط، وفي الآونة الأخيرة حاولت موسكو بما أوتيت من سلطان في مجلس الأمن ـ لا يتعدى "الفيتو" ـ عرقلة الخطط الأطلسية المدعومة بشروط موضوعية، فرضتها أنظمة استبدادية انفجرت جماهيرها في وجهها. البداية كانت في ليبيا، حيث عبر أكثر من مسؤول روسي عن الندم لعدم صفع قرارات مجلس الأمن بـ"الفيتو"، وترك القذافي المستورد الأول للسلاح الروسي، في دهليز مدور نهبا للطعنات الانتقامية.
الآن يتشدد الدب الروسي في الشأن السوري، على أساس عدم تكرار التساهل إبان السيناريو الليبي، والحفاظ على قاعدة طرطوس العسكرية كموطئ قدم وحيد في المياه الدافئة، والإبقاء على هذا التواجد الخجول ورقة ضغط لا أكثر، تستثمر لاحقا في بقعة أخرى من رقعة الشطرنج.
لكن الروس في موقع لا يسرهم بالتأكيد، على رقعة الشطرنج هذه، حيث يتقدم الأميركيون في كل حركة، ويحكمون تدريجيا الحصار على قلعة الكريملن، بدءا من حرب يوغسلافيا وكسر التحالف بين روسيا وصربيا، عبر إحكام السيطرة على الطريق الاستراتيجي في يوغسلافيا السابقة، ومن ثم الخسارات المتتابعة لموسكو في دولها الحليفة السابقة، مثل أذربيجان، والتسلل الثقافي الغربي الممنهج لـ"الدول المستقلة" عن الاتحاد السوفيتي السابق. آخر حلقات الحصار هي تقليم مخالب الدب الروسي النووية، بالدرع الصاروخي الأميركي من بلغاريا وتركيا معا، وتاليا تحييد الصواريخ النووية خارج رقعة الشطرنج، لتبقى موسكو في مواجهة غير متكافئة البتة، سواء لجهة قوة الاقتصاد أو التأثير العالمي في مجريات الأحداث.
غير أن الحظ النفطي خدم في فترة ما روسيا، حين وصل سعر برميل النفط إلى نحو 140 دولارا، فانتعش اقتصادها بتدفقات مالية غذت خطط إعادة تحديث الجيش ورفع الصوت على الساحة الدولية، بيد أن الأزمة المالية العالمية لم تخطئ روسيا أيضا، ولاسيما نقص السيولة النقدية حتى لدى شركات النفط العالمية، فعاد غول التضخم ليفترس فترة الازدهار الروسي.
مظاهرات الاحتجاج الروسية ضد بوتين وحزبه، لها بالتأكيد أسس موضوعية تتعلق بالاستئثار بالسلطة واحتكار مؤسساتها، وإلا فإن أشد الحملات التحريضية الخارجية لن تفلح في إنزال روسي واحد إلى الشارع، ما دام يتمتع بالحريات العامة والوجبات العارمة. ما يجري في روسيا، بالتأكيد سيجد صداه بتثاقل اليد الرافعة لـ"الفيتو" الروسي في مجلس الأمن، فهل تلتقط دمشق الإشارة؟