المستقبل قطار لا ينتظر أحداً، وإنما عليك أن تركض لتلحق موعدك معه، حتى وإن مضيت لاهثاً، متقطع الأنفاس، ذلك لأنه إن فاتك فسوف تكون النادم الوحيد.

هذه الحقيقة البديهية أدركها كثيرون، أخيراً، وكأنهم يعرفونها للمرة الأولى، وذلك مع ظهور النتائج الأولية للجولة الأولى في الانتخابات المصرية، فرغم كل التوقعات والمؤشرات والتأكيدات بأن التيار الإسلامي بمختلف فرقه وقطاعاته وتياراته واتجاهاته سينال جانباً لا يستهان به من أصوات الناخبين، فإن البعض قد فوجئ، ومضى يعرب عن دهشته، ويحاول إيجاد مبررات لما جرى بعيدة عن الأسباب الحقيقية، وهي اشتغال أصحاب هذا التيار المتجه إلى الفوز بكل ما يملكون من قوة على الأرض، في واقع الناس، وفي قلب مشكلاتهم في الشارع المصري، وهي ليست بالقليلة ولا المحدودة، وحلولها ليست عند أقرب منعطف.

وفي غضون ذلك، تتعدد المنعطفات، فحكومة الإنقاذ تشق طريقها على مهل في التشكل الذي يبدو أقرب إلى ولادة متعثرة، أو متعذرة، سمها ما شئت.

والشباب يرون في مجرد تشكل هذه الحكومة استحضاراً لعهد مضى، ولا سبيل إلى أن يعود، أياً كان الشكل الذي تأخذه هذه العودة.

والمجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية بادر إلى خطوة تأخرت طويلاً، وهي تشكيل مجلس استشاري مدني من شخصيات لها خبرتها الطويلة في العمل السياسي، من دون أن تبدو صلاحيات ومهام هذا المجلس واضحة لأحد.

هذه الملامح التي لا ينقصها التعقيد تعكس، في أبسط المعاني، اتجاهين رئيسيين، أولهما هو المثالية السياسية، التي يرى أصحابها أن الثورة لا بد أن تمضي لتحقيق القيم والأهداف والمفاهيم التي قامت من أجلها، وهي كلها تتناقض إلى حد التصادم مع صميم وجود حكومة الإنقاذ، دع جانباً تكوينها وما تحاول أن تحققه.

وبالمقابل هناك تيار الواقعية السياسية الذي يرى أنه لا بد من العمل المبرمج بأيد صادقة، في تطبيق مباشر لمفهوم أن السلطة هي في نهاية المطاف قوة تصفع، ومن المحزن أن في أعضاء المجلس العسكري من يرون أن هذا هو ما يجب أن يكون، حتى وإن كانت النتيجة نهراً من دم.

السؤال الكبير هو: أين المخرج من التمزق بين هذين التيارين الكبيرين في الحياة السياسية المصرية اليوم؟

ربما كانت الإجابة الواضحة عن هذا السؤال هي أنه لا بد من التعجيل بالعملية الديمقراطية وحمايتها وتوسيع نطاق المشاركة فيها وتجنب الأخطاء التي تعرقلها.

قد يبدو بديهياً أن من هذه الأخطاء تصور البعض أن استسهال قتل الشباب وإلقاء جثثهم في القمامة يمكن أن يمر، وأن يجتاحه النسيان في زحام الأحداث.

قد يكون في صدارة هذه الأخطاء أن يعهد بالمواقع والمهام التنفيذية البارزة في العمل الوطني لشخصيات تنتمي بكل الوضوح إلى عهد انقضى وغربت شمسه.

قد يكون في صميم هذه الأخطاء عقد تحالفات تستهدف ضرب رموز القوى الوطنية باسم السياسات الواقعية.

ولكن مسلسل الأخطاء ينبغي أن يتوقف، لأنه يتناقض على نحو صارخ مع القطاع الذي يستغله المصريون جميعاً إلى المستقبل. والذين يفوتهم هذا القطار، أو يتصورون إمكانية اعتراضهم لمسيرته، لا ينبغي أن يلوموا إلا أنفسهم.