لم يُقدَّر لأي انتخابات أجريت في مصر، منذ عرفت الانتخابات البرلمانية في القرن التاسع عشر، أن تعرف اهتماماً كالذي تشهده الانتخابات الحالية، ربما لأن الآمال معقودة على أنها انتخابات حرة ونزيهة ومن شأنها أن تعكس إرادة الشعب المصري، وربما لأنها تجيء شبه متزامنة مع الزلزال النفسي الذي اجتاح جموع المصريين وهم يرون جثة أحد شهداء الثورة وهي تُلقى في القمامة، في إيماءة رمزية مريعة، ربما لم تعرفها مصر في تاريخها إلا مع اندلاع ثورة الدولة الوسطى في العصور الفرعونية، التي توجتها صيحة الحكيم إيبور وير الراعدة بأن شعباً بلا كرامة هو شعب بلا حياة.

لكن الحقيقة المهمة هي أنه أياً كانت القوة السياسية التي ستسفر هذه الانتخابات عن بروزها، فإن هذه القوة سيتعين عليها أن تواجه مثلثاً بالغ الصعوبة، يكاد يحاصر الحياة الاقتصادية في مصر، والضلع الأول لهذا المثلث هو ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، والضلع الثاني هو تردي احتياطي مصر من القطع الأجنبي، والضلع الثالث هو تفاقم الضغوط على الموازنة العامة في مصر. هذا المثلث يُوصف بالمثلث المستحيل تقليدياً في اقتصادات العالم النامي، لأن أي محاولة لمعالجة ضلع واحد فيه تؤدي إلى نتائج سلبية على الصعيدين الآخرين، فلو حاولت السلطات المعنية، مثلاً، خفض دعم السلع الغذائية لتقوية الوضع المالي، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى زيادة الأسعار ومفاقمة الاضطرابات في الشارع.

هنا لا بد، على الفور، من تذكر مجموعة مهمة من الحقائق:

احتياطي القطع الأجنبي الذي يُحتفظ به في المصرف المركزي المصري تراجع من 36 مليار دولار في بداية 2011 إلى 22.1 مليار دولار في أكتوبر الماضي، وهناك تقديرات بأنه في شهر أكتوبر وحده فقدت مصر ملياري دولار من هذا الاحتياطي.

كان يمكن للحكومة المصرية التعامل مع هذه المشكلة بفرض شكل من أشكال الضوابط على رأس المال، ولكن الأوان قد فات على مثل هذا الإجراء. صحيح أن بعض الخبراء الصناعيين لا يزالون متحمسين لخفض قيمة الجنيه المصري، لجعل الصادرات أكثر تنافسية، ولكن حتى مثل هذا التحرك كان ينبغي أن يتم قبل شهور عدة.

هناك من المراقبين من يرون أنه إذا لم يصل الدعم الخارجي إلى مصر من صندوق النقد الدولي، أو من مصادر غربية، أو من دول عربية شقيقة، فإن تراجع قيمة الجنيه سيكون أشد قسوة، بل ويتوقعون أن يكون التراجع وصولاً إلى 6.8 جنيهات للدولار في العام المالي 2012 ـــ 2013 بعد أن كان بالأمس القريب 5.98 جنيهات للدولار، وهو معدّل قياسي للانخفاض.

بالمعدل الراهن، فإنه حتى لو وصلت هذه التدفقات المالية إلى مصر، بمعجزة ما، من أحد أو كل المصادر الثلاثة التي أشرنا إليها، فإن الخبراء يرون أنها ستؤجل، ولن تمنع، تردي الجنيه المصري، طالما أن رصيد القطع الأجنبي يواصل مسيرته إلى حدود النفاد.

دعنا نعد تأمل هذه الحقائق، ودعنا نبادر إلى إلقاء نظرة أخرى على ما وصفناه بالمثلث المستحيل، ونسأل أنفسنا: كيف السبيل إلى الخلاص؟

مصر الثورة ليس أمامها إلا سبيل واحد للخلاص، يبدو واضحاً كخارطة طريق لا بديل لها، وهي أن يعود أبناؤها إلى مواصلة مسيرة العمل والإنتاج في ظل استقرار تحققه العملية الديمقراطية. وخارطة الطريق هذه، بالتأكيد، تبدأ بقيمة عليا يجب أن يلتزم بها الجميع، وهي احترام قيمة الإنسان المصري، لأن إهدار كرامته هو المدخل إلى غابة الدماء، التي طالما حذّرنا منها الراحل الكبير الدكتور جمال حمدان في عمله الفريد «عبقرية مصر».