جيل مدهش وغريب، خدعنا وبهرنا، ها هو في الساحات وفي الشاشات، ينطق بمنطق سياسي محكم. ترى من أين بزغ هذا الجيل؟ وكيف كان ينسج وعيه المفاجئ بين ظهرانينا دون أن ننتبه؟
البداية كانت في امتلاك هذا الجيل نظرة مختلفة، كنا نستهجنها غالبا، ونحجر عليها إذا ما استطعنا سبيلا. كم منا تورط في حوار نزق مع أبنائه وهم يرمون وراءهم معظم المسلمات في الحوار، ويهاجموننا غالبا بالسؤال: من ابتدع هذا أو جعل ذاك يقينا أو حقيقة مطلقة؟
هذا ما تشاطرنا زمنا طويلا في محاربته فينا من دون أن نفلح، رفعنا لواء مكافحة النمطية والجمود الفكري والنظرة الأحادية، لنجد أنفسنا موئلا تتكاثر فيه هذه الأمراض بعينها، بينما الجيل الجديد يبني معرفته المطرزة بكل صنوف التكنولوجيا ووسائط التواصل، بعيدا عن أمراضنا.. أبحر في كل جديد العالم تاركاً انغلاقنا، بل وتولدت لديه ردة فعل طبيعية لجهة حماية شخصيته منا، وفعلا نشهد أنه أفلح. ذلك ما تبينه الشاشات والتصريحات، والحراك السياسي المتنامي في مشاهد الربيع العربي.
نموذجان أمامنا لا فكاك لنا نحن الجيل القديم، من التأمل فيهما: المصري واليمني، من حيث درجة إنجاز أهداف الثورات الشبابية، مع الانتباه إلى أننا يمكن لنا أن نقول مصطلح "ثورة" بملء الفم، حين تتحقق الأحداث ويحل النموذج المختلف الجابّ لما قبله.
الشباب في مصر محاورون عنيدون، نحسدهم لعدم سهولة تصديق الوعود والركون إلى الحقن التخديرية، وذلك النفَس الطويل والإصرار على مغالبة التعب والظروف والحسابات الداخلية والخارجية.. هم لا يلينون، عنونوا منذ البدء حراكهم بتغيير النظام جذرياً لا رموزه فقط، وها هم يواصلون الإصرار، ذلك أن التغيير الحقيقي الخصب هو في تغيير الفكر والمنهج. فموظف الانتخابات لن يكون في وسعه فتح وإغلاق الصندوق بديمقراطية وشفافية، بعدما اعتاد ردحا على فتحه في الهواء الطلق بعد غلقه في الأقبية السرية، والمؤسسة العسكرية الضامنة لحدود وسيادة الوطن، لم تنج من لوثات السياسة بعدما انجرت إليها تأسيسا على ثورة الضباط الأحرار التي قلبت نظام الملك فاروق.
هؤلاء في مصر هم بوصلة الشباب العربي في الساحات المأزومة، وهم بحق يقدمون نموذجا للذكاء السياسي المحير، يعرفون بالضبط مرامي كل الأطراف، بما فيها العم سام الداعم اللوجستي لكل الشعارات الديمقراطية، متحوطون للتحالف الناشئ ، كما يتردد في غير ساحة عربية، بين العم سام و"الإخوان المسلمين"، فيبدأون بتحرك جماهيري استعراضي يهز الكل، حتى حاجز الثقة بين القاعدة والقيادة لدى "الإخوان" أنفسهم.
أما في اليمن فنموذج تخلع له القبعة عن أكثر الهامات كبرياء.. هذه البيئة المحكومة بقيود لا حصر لها، تفتقت عن انفتاح ذهني شبابي مذهل، كل ما جربه النظام من استفزاز فشل في استثارة النفس العصبي والقبلي لدى هؤلاء الشباب، فأبقوا صدورهم عارية للرصاص، وعقولهم متيقظة لسلمية النموذج السلمي في الصراع، المؤسس لما بعد النظام الآفل.
لنتذكر جيدا أن الثورة الفرنسية التي غيرت وجه القارة الأوروبية ومن بعدها العالم، أجمع المفكرون على أن حجر المجن في نجاحها، هو إصرارها على القطيعة مع الذهنية التي سادت ما قبل هذه الثورة، لا القطيعة مع الجذور الثقافية، بل تأطيرها بمعادلة جديدة، في ظل استحالة التخلي عن الهوية الموروثة.
التغيير الشامل للرؤية، بالضبط تصح تسميته بالثورة الإدارية.