الذين تابعوا، بمزيد من الوعي والانتباه، الصدام الأخير، الذي شهده ميدان التحرير في قلب القاهرة، لا شك في أنهم قد صدموا، حيال الحصاد الدموي الهائل لهذا الصدام من القتلى والجرحى على السواء.
لكن التسلح بالوعي والانتباه يقود إلى سلسلة من الاستنتاجات المهمة، والجديرة بالتوقف عندها طويلاً:
* هل يمكن أن تمضي مصر، في ظل تلك الوضعية، إلى الانتخابات؟ من المؤكد أن اعتراض الطريق إلى الانتخابات بالتمزقات الأمنية يعد بمثابة كارثة، لكن تأجيل الانتخابات كارثة أكبر، لأن تسلح مسيرة الشعب بنتيجة الانتخاب أمر ضروري، بل وحتمي بأي المعايير.
* ومن المحقق أن المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة المصرية قد خرج من هذا الصدام بصورة غير التي واكبته طويلاً، باعتباره منقذ الثورة ومخلصها، وهذه الصورة الجديدة والمختلفة تضرب جذورها في حقائق عدة أخرى غير هذا الحصاد الدموي، ومنها تقديمه ما يتراوح بين سبعة آلاف إلى عشرة آلاف مدني للمحاكم المدنية خلال خمسة أشهر، بحسب تقدير منظمة «هيومان رايتس ووتش». فهل هذا حقاً هو ما يريد أعضاء المجلس تسجيله رصيداً لهم في هذه المرحلة من العمل الوطني؟ هل يريدون أن يسجل التاريخ لهم أو عليهم أنهم تسلحوا بالفوضى للوصول إلى حيث يريدون؟
* تعددت إشارات المراقبين إلى أنه حتى مع المضي قدماً إلى الانتخابات، فإن علامات الاستفهام الكبيرة التي ينبغي أن تؤرق الجميع، هي المتعلقة بتعامل القوى السياسية المصرية، والمجلس على رأسها، مع نتائج الانتخابات، وليس النموذج الجزائري ببعيد عن الأذهان.
* إن نظرة واحدة إلى المواعيد التي يحددها المجلس لتسليمه السلطة المدنية، تشير إلى أن سلسلة من التراجعات، انتهت، بحيث أصبح الكثير ممن لهم مكان في الشارع السياسي المصري يعتقدون أن الموعد النهائي في هذا الشأن ربما لا يأتي أبداً، فهل هذه الرسالة هي الرسالة المراد إبلاغها؟
ويظل واضحاً، في ضوء هذا كله، أن طريق مصر إلى المستقبل ليس مفروشاً بالورود، ولكن من الذي قال يوماً إنه كذلك؟
إن كل المؤشرات تؤكد أنه طريق حافل بالمعاناة والتضحيات والمتاعب، ولكن إجماع الإرادة السياسية لأكبر عدد ممكن من المصريين على ضرورة النهوض بالوطن من عثرته، هو وحده الكفيل بالابتعاد عن هاوية الفوضى.
إن بلداً مثل مصر لا يمكن أن يسمح لنفسه بالتداعي نحو هذه الهاوية، لأن النتائج المترتبة عليها أكثر من رهيبة، ومن المؤكد أن الملايين من أبناء مصر ومحبيها يدركون أنها أكبر من أن تنحدر إلى ظلمة القاع، لأنها أكبر من أن تتحول إلى دولة فاشلة، وإن كان هناك من يحرصون على دفعها إلى هذا المصير.
هذه هي أيام التشمير عن ساعد الجد، أيام العمل الوطني العظيم وساعاته، ومن المؤكد أن الطريق لا يمر بالصدامات التي رأينا حصادها الدموي بالأمد القريب.