يجب أن نعترف: لدينا خلل فكري في التعامل مع الأزمات، جوهره ردة الفعل المزمنة، أو الانفعال العاطفي، الذي يقود دوماً إلى ارتجال، بالتأكيد لا تحمد عاقبته. الأمثلة متوفرة وبكثرة في حاضرنا، إذ لا دواعي موضوعية للنبش في الماضي، ما دامت مرحلتنا الحالية متخمة بالأحداث الجسام، لكن أبرزها: القضية الفلسطينية. تربينا في العقود الماضية على أن الاحتلال الاستيطاني الصهيوني، هو بؤرة القلق والتوتر في المنطقة برمتها، وأن إنهاء هذا الاحتلال واجب مركزي، ليتسنى لوطننا الكبير المضي في سياقات التطور الطبيعي، بعيداً عن مؤامرات وتشويش إسرائيل. حدث أن مركزية هذا الواجب تضعضعت، بعدما نجحت أطراف قيادية فلسطينية وعربية ودولية في حصر الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين، بالتزامن مع تقدم القضايا الداخلية في الأقطار العربية إلى واجهة ما بات يعرف بالربيع العربي.

كل ذلك موضوعي، لكنه لا يغفر تراجع الصراع مع الإسرائيلي إلى مرتبة ثانوية في مسار منطقتنا برمتها، والذنب غالبيته تقع على عاتق القيادة الفلسطينية، التي تبين أنها لا تمتلك استراتيجية محكمة، لا في التعامل مع إسرائيل ولا لإبقاء القضية الفلسطينية مركزية.

فرحنا حين أقدمت القيادة الفلسطينية على كسر الجمود في هذه الجبهة، عندما حملت الملف إلى مجلس الأمن الدولي، وتحديداً حين أعطت القيادة هذه تطمينات بأن لديها خطة بديلة حال الفشل مع مجلس الأمن، ببساطة هي التوجه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة، حيث لا «فيتو» أميركياً في الانتظار. كان محور هذا التحرك هو أن ارتقاء مستوى عضوية فلسطين في الأمم المتحدة أياً كان، يمكن الدولة العتيدة من حيازة عضوية منظمات دولية قادرة، ليس على الضغط على بنيامين نتانياهو فقط، بل حتى التلويح بجره إلى محكمة الجنايات الدولية.

الإرباك حل كعادته، والصورة غامت.. تضاربت تصريحات القادة الفلسطينيين، ما بين العودة عن هذه المحاولة في مجلس الأمن، وما بين الإصرار على المضي بها، ثم ما لبثت أن انبعثت التصريحات الفلسطينية التي تؤكد التراجع عن محاولة الفوز بعضوية منظمات دولية جديدة، بعد معركة «اليونسكو».

إن كان الحال على هذا المنوال، فما قيمة معركة الأمم المتحدة برمتها، إن لم تكن كما خلناها خطة ذكية لتعديل ميزان القوى في المفاوضات مع إسرائيل ومحاصرتها بالمزيد من القرارات الدولية؟! لم يتبين لنا ـ على ما أظن ـ سوى أنه ارتجال بحت، يراقب ردات الفعل الدولية ويتعامل معها بذات الانفعال المعهود، الذي أرجح القضية الفلسطينية ما بين المركزية والتهميش. أية استراتيجية فلسطينية هذه، وأي فكر ناضج يقف وراء كل الخطوات المرتبكة التي شهدناها؟

أولى البديهيات تقول بخوض المعركة الخارجية بجبهة داخلية متماسكة، غير أن المصالحة الداخلية بين حركتي «فتح» و«حماس»، تم تأجيلها لما بعد الأمم المتحدة. ثم إن عملية حساب بسيطة لأوراق القوة، تبين أن القيادة الفلسطينية في ظل الربيع العربي، لا تمتلك سوى قوة الشارع وجماهيره المؤثرة.

طيلة معركة الأمم المتحدة لم نشهد تحركاً موازياً في الشارع الفلسطيني، ولا حتى تحركاً من قبل القيادة الفلسطينية في اتجاه القوى المؤثرة في الشارع العربي، وبقيت الزيارات للأقطار العربية قصراً على لقاء أطراف فلسطينية، ربما يراد ضمها إلى جوقة الارتجال. معركة الحضور الدائم في سلم أولويات المنطقة، تخوضها القيادة الفلسطينية، بلا استراتيجية ولا تحرك فاعل في الساحات، وتراهن على الفوز بها! ربما تعول على معجزة!