كان عتاة الاقتصاديين يتحدثون بفخر عن القوتين الاقتصاديتين الزاحفتين على المشهد العالمي: أوروبا والصين. وذلك على خلفية تعاقب الأزمات على الاقتصاد الأميركي، بدءاً من الكارثة النقدية التي فجرتها أزمة الرهن العقاري الشهيرة، وانتهاءً بأزمة قروض الائتمان.

ها هي أوروبا تتسربل بجراح اليونان، طبعاً باستثناء بريطانيا التي تبرأت من المساهمة في صندوق إنقاذ ما بات يعرف بأزمة اليورو، وباتت الصين القوة الاقتصادية الواعدة الوحيدة.

من سمى الأزمة الأوروبية الحالية بـ"أزمة اليورو"؟

الأميركيون خارج الشبهات، بل هم الأوروبيون أنفسهم. السبب بسيط، وهو أن واشنطن تحاول لفت الأنظار بعيداً عن الحقيقة المفروضة فرضاً على أوروبا، بأن تبقي سعر صرف اليورو أقل من الدولار، لكي يبقى الأخير هو العملة المهيمنة من حيث الجدوى في تعاملات الاستيراد والتصدير، وهو ما اتفق مع العناد الصيني في وجه الضغوط الأميركية الهاصرة لدفع بكين إلى رفع سعر اليوان، لمحاولة كبح الحركة التصديرية الصينية الناشطة.

لكن البحث في الأوليات يبقى مفيداً لتتبع المسار الجاري لأزمة اليورو، في ظل تجارب الدول الفاشلة، بدءاً من أيسلندا وانتهاءً باليونان، مروراً بأزمة البرازيل منتصف الثمانينات، حين سلمت مفاتيح اقتصادها لصندوق النقد الدولي، بعد تراكم الديون وفشلها في السداد.

لا أعرف أي وجه لوجوب غرق دولة كاليونان في أكثر من 360 مليار دولار من الديون، وأين صرف هذا المبلغ العجيب!

هذا السؤال يتردد صدى إجابته في "وول ستريت"، الذي شهد أول مظاهرات جماهيرية من نوعها في بلاد الحرية، وما صدحت به الحناجر: إذا كان الشرق أوسطيون تحركوا في الشارع لتغيير أوضاعهم، فما بالنا نحن الأكثر تقدماً؟!

الحقيقة أن "وول ستريت" وأثينا معاً، تعانيان المعضلة نفسها: الاقتصاد الوهمي، أو ما يمكن تسميته الاستثمار بالورق والحسابات الافتراضية، غير المربوطة بتاتاً بالإنتاج وعجلته، حتى يخيل للمرء أنه إذا استمر هذا النهج في رسم الاقتصادات العالمية، فإننا لن نجد بعد حين سوى أوراق نقدية نأكلها.

يضاف إلى هذا، علاوة على وباء الفساد المستشري، تبلور فئة أو ما يمكن تسميته بقوة اقتصادية عجيبة، تدعى "الرؤساء التنفيذيون"، وتحديداً في الولايات المتحدة، الذين يُنهكون المؤسسات بالمميزات الخيالية التي يتمتعون بها، في ظل تراجع عام في أداء هذه المؤسسات، والذين حاول باراك أوباما فور تسلمه الرئاسة التصدي لهم فلم يقدر، فترك للشارع في "وول ستريت" الكلمة.

هي الموقعة التي ربما كان المخرج الهوليوودي الشهير مايكل مور، أول من تنبأ بها في أواخر عهد جورج بوش الابن، حين قاد شاحنته لاستعادة 70 مليار دولار صرفها بوش لمصرف أميركا لإنقاذه من الانهيار، بغض النظر عن مسببات هذا الانهيار، وسلطة "الرؤساء التنفيذيين".

إذن، لا مناص للعالم من الانتباه والوقوف الجاد، أمام أي مسار يتخذه الاقتصاد العالمي في ظل الانفجارات المتعاقبة للأزمات. إذا كان شعار "تغيير المسار" هو الذي حمل أوباما إلى البيت الأبيض، فإن الشعار نفسه كفيل بإنقاذ مستقبل العالم الاقتصادي، إذا ثبت اتجاه البوصلة نحو الإنتاج، وتغيير السياسات المالية والنقدية لجهة تنشيط القطاعات الإنتاجية من زراعة وصناعة، على حساب القطاعات الأخرى.

هذا هو انعكاس مقولة أن اللغتين اللتين ستسودان المستقبل هما: الإنجليزية والصينية. لمَ لا، كون اللغة هي وعاء المحتوى المعرفي، الذي هو بالتأكيد التعبير الثقافي للإنتاج!