في أواخر الستينات وأوائل السبعينات من القرن الماضي، شهدت دراسات النظم السياسية ما يمكن وصفه بالانفجار المدوي، حيث توالت حشود من الدراسات والكتب والأبحاث والمؤتمرات وورش العمل حول دور المؤسسات العسكرية في المجتمعات، وبصفة خاصة مجتمعات العالم الثالث، التي كانت المؤسسات العسكرية فيها أكثر المؤسسات ديناميكية وتحديثا، وبالتالي يفترض أنها أكثرها قدرة على الاستجابة للتحديات والتعامل مع المتغيرات.
كان هذا كله استجابة لما يجري على الأرض، حيث شهدت دول عدة سلاسل متتابعة من سيطرة العسكريين على مقاليد الحكم عبر سيناريوهات عديدة، كانت البطولة فيها لتداعي أنظمة حكم تقليدية ومبادرة العسكريين إلى القبض على زمام السلطة فيها، وتعددت السيناريوهات، لكنها كلها على وجه التقريب وصلت إلى سيناريوهات ختامية مروعة، وكانت الدول الأكثر حيوية ونشاطا والأعظم حظا هي التي أفلتت من قبضة العسكرة أقصر وقت ممكن، واستهلت مسيرة ديمقراطية حافلة لا مجال فيها للتراجع. طبعا، كانت هناك دول سيئة الحظ ارتمت ظلال العسكر على أقدارها طويلا، تبدأ بجنرالات أميركا اللاتينية، ولا تنتهي بكولونيلات افريقيا، الذين كان آخرهم معمر القذافي. ولكن هل هناك ما هو أسوأ من سيناريو الخروج من حكم العسكر، بشكل أو بآخر، لا لشيء إلا إلى العودة إليه؟
الإجابة، بالطبع، هي أن هذا هو السيناريو الكابوسي حقا وبامتياز، ومن هنا كان عمق تخوف الكثيرين من أن تكون مصر بين يدي هذا السيناريو الآن.
هذا التخوف نابع من أن ما يشهده الشارع المصري الآن من ترك الأمور تقترب من حافة الفوضى المروعة ليس إلا المقدمة الكلاسيكية لقفز جنرال طموح أو كولونيل بارع إلى الصدارة، وبالبيان الأول يبدأ الدخول من نفق إلى نفق أكثر ظلمة منه.
لم يكن من قبيل الصدفة أن يخرج رجل جمع بين عمق الخبير الدستوري وبراعة رجل الحركة السياسية مثل د. يحيى الجمل، بالطباع مرير، بعد فترة قصيرة في الحكومة، مفاده أن العسكر الذين كان على تماس يومي معهم يفتقرون إلى الحنكة السياسية.
لكن من يتأمل مجريات الأمور في الشارع المصري لا يستطيع أن يكون يائسا، ولا يملك الاستسلام لهواجس السيناريو النيجيري، حيث التحرر من قبضة جنرال ينتهي بالسقوط في يد كولونيل.
لا نملك إلا أن نكون متفائلين، رغم كل ما نشهده من ملامح بعيدة عن الدعوة إلى الشعور بالارتياح، وهذا التفاؤل ليس وليد وهم، ولم يخرج من رحم التفكير بالتمني، ولا انشق عنه ضباب حسن النوايا.
هذا التفاؤل وليد حقيقة موضوعية أساسية، هي أنه إلى صخرة من الوعي الحقيقي بالمتغيرات وبما يجري يستند أبناء الشعب المصري، وهم يدركون أنه ما من قوة يمكن أن تدخل بهم نفق ثلاثين عاما أخرى من التراجع والتدهور والتردي.
الاتجاه الوحيد الذي يمكن أن يتحرك فيه المصريون الآن هو إلى الأفضل، وإلى الأرقى، لأن ما تردى بهم إليه النظام السابق هو قاع مروع، لا يليق بشعب عظيم، وليس هناك بعده من مجال للهبوط.
المشكلة الحقيقية تكمن في أن هناك من يجد في هذا المنعطف فرصة لتحقيق المكاسب، لتسجيل المواقف، للخروج بحصاد من نوع ما، في زمن يردد أصداء أسوأ ما في الزمان المملوكي المتأخر.
لقد كان النيجيريون يستندون إلى النفط في خروجهم من مآزقهم، في نهاية كل مغامرة للعسكر، والمصريون لا يملكون هذه الرفاهية، وليس بوسعهم إهدار سنوات من أعمارهم في متاهة جديدة.
لهذا، بالضبط، فإننا على ثقة من أن مسيرتهم، المسلحة بالوعي وبالرصيد النضالي، لن تكون إلا انطلاقا إلى الأمام، بعيدا عن ظلال الفوضى، وعن ضباب التخبط، وعن سمادير السيناريوهات الكابوسية.