لم يكن بالإمكان إلا أن نتوقف طويلاً عند مجموعة من الأرقام والإحصاءات أطلت أخيراً في الأفق، كوعيد بعاصفة مكفهرة حافلة بالنذر، وكأنها تريد أن تدفعنا إلى أن نلوذ بالهرب من قدرٍ مُقدَّر لنا، عبر الارتداد إلى الوراء، أو إن شئت الانكفاء إلى ماضٍ لا يحتمل إلا الرحيل عنه. الحكاية أن «جيوبليستي»، وهي الذراع الاستشارية بشأن المخاطرة السياسية لصندوق النقد الدولي، قد خرجت علينا، قبل أيام، بما سمته تحليلاً إحصائياً يتضمن عدداً من المؤشرات الخطيرة.
المؤشر الأول هو أن الانتفاضات والثورات التي شكلت ما أصبحنا نتعارف على تسميته بالربيع العربي قد كبدت الدول الأكثر تأثراً بها أكثر من 55 مليار دولار، أي ما يعادل 202 مليار درهم إماراتي.
المؤشر الثاني هو أن الدولتين اللتين شهدتا القدر الأكبر من سفك الدماء، في غمار الصراعات التي اندلعت منذ بداية العام الحالي، وهما سوريا وليبيا، قد تكبدتا القسط الأكبر من هذه الكلفة، حيث فقدتا من إجمالي ناتجهما المحلي 20.6 مليار دولار.
و«جيوبليستي»، شأن أي رافع للعقيرة بنذير السوء، لا تتوقف عند هذا الحد، وإنما تمضي قدماً لتشير إلى أن الدول العربية المعنية قد فقدت من تمويلها العام 35.3 مليار دولار، مع تراجع عائداتها وتصاعد ما يقع على كاهلها من تكاليف.
هذا التقرير طويل وحافل وممتد، ولا يملك المرء إلا أن يطرح حياله العديد من التساؤلات، وفي مقدمتها علامة الاستفهام المتعلقة بالسر في أن الذراع الاستشارية العتيدة تقرن الإحصاءات التي أشرنا إليها حالاً بتطورات أسعار النفط منذ بداية العام. فما علاقة هذه بتلك؟ ألم يشر خبراء عالميون ومن بينهم خبراء عرب إلى أن النفط كانت أسعاره ستشق مسارها الراهن بغض النظر عما حدث لمنتجين من العرب مثل ليبيا؟ أياً كان الأمر، فإننا نريد الإشارة إلى أنه من المهم استيعاب هذه البيانات الإحصائية والرقمية، ولكن دون الوقوع في فخ الدلالة التي تريد «جيوبليستي» ونظيراتها دفعنا إليها دفعاً.
إن الثمن الحقيقي الذي دفعته الشعوب العربية في نضالها من أجل مستقبل أفضل لأبنائها هو الدم، الذي أريق على أرضها في غمار صراعات مع طغاة كان لابد لهم أن يرحلوا لأنهم إلى الرحيل ينتمون وقد غربت شمس أنظمتهم وما محاولتهم البقاء عنوة إلا تخبط في الظلام الذي يوشك أن يطويهم للأبد.
والأرقام الطائلة التي تضمنها هذا التقرير هي نذر خطر بالفعل، ولكنها تشكل دافعاً إضافياً للشعوب العربية إلى أن تجمع بين طرفي المعادلة الصعبة: العودة إلى إدارة دولاب الاقتصاد من ناحية وبناء المؤسسات الديمقراطية من ناحية أخرى.
إن تكامل هذه المعادلة أمر صعب بكل المعايير، فقد ترك الطغاة الذين تمت تنحيتهم اقتصادات تعاني من كثير من عناصر الضعف والفساد والاضطراب والانكفاء، الأمر الذي يمهد لما نراه من دوي المطالب الفئوية تحت كل الآفاق، ولكن إدراك ضرورة العمل على جبهتي الإنتاج وبناء المؤسسات في آن يشكل خارطة الطريق الوحيدة إلى المستقبل.
ومن المؤكد أن الشعوب العربية إذا اعتمدت الديمقراطية أسلوباً للحياة السياسية، والعودة إلى ساحات الإنتاج أولوية لا مندوحة عنها، تستطيع أن تقلص في فترات جد قصيرة من عمرها تراكم هذا الثمن الباهظ، الذي تتحدث عنه «جيوبليستي» ونظيراتها وتلوح به صباح مساء. وفي غضون ذلك، يظل أمراً حتمياً ألا يحدث تصدع في الأرض التي ينطلق عليها نضال الشعوب العربية، يظل مهماً ألا يتمزق نسيج وحدتها الوطنية، يبقى حتمياً ألا تسقط في هوة الحرب الأهلية.
لقد أريد لشعوبنا العربية وبها منذ عقود مضت أن تسقط وتتداعى عائدة إلى الوراء عقوداً بل وقروناً، إن لم يكن بالغزو، فبالتمزق الاقتصادي، وإن لم يكن بالتآمر وبتربص الدوائر، فبالسقوط في الصراع والوقوع في هاوية الحرب الأهلية.
ولقد آن الأوان لإدراك مدى عمق الهوة التي ندفع نحوها دفعاً، وأن نعمل جميعاً على الارتفاع عن مخاضات الدم التي نساق إليها، لأننا شعوب تستحق ما هو أفضل، وجديرة بما هو أرقى، مهما كان الثمن الذي تدفعه باهظاً.