الاغتراب مفهوم امتد طويلاً في الفكر الإنساني، منذ الجهود اليونانية الفلسفية في إشراقتها الأولى وحتى الآن، وبقدر ثراء هذا المفهوم، فإن تعدد المعاني التي يستخدم بها حولته إلى غابة من الأفكار، لينقسم المهتمون به اليوم إلى قسمين، القسم الأول حمله على الفكر الاشتراكي، وجعله يخرج من إطار الاهتمام بسقوط الاتحاد السوفييتي، وقسم آخر يقول إن الاغتراب لا يفهم اليوم باعتباره مجموعة من المفاهيم المختلف حولها، وإنما بحسبانه «عملية» أو «تطوراً» يتحول من خلالها إلى أداة معرفية، يمكن توظيفها بإعطائها دلالات رقمية، على نحو ما يحدث في البحوث الاجتماعية ودراسات الرأي العام.
لقد ساهم الباحثون والمفكرون العرب في الجهود الإنسانية التي بذلت لتوظيف مفهوم الاغتراب، وهذا أمر مفهوم، لكن ما لم أستطع فهمه قط هو الانصراف عن التعمق في دراسة هذا المفهوم في الفكر الإسلامي. وهذا هو ما أحسب أن الكثيرين قد شرعوا في الاهتمام به أخيراً بعد إهمال دام طويلاً.
إذا كان الفكر الغربي يرى في الاغتراب حالة للوجود الإنساني تقترن بالمعاناة والتمزق، وترتبط في المقام الأول بالانفصال، انفصال الإنسان عن ذاته وعن الآخرين وعن عالمه وعن إنتاجه وتخليه عن أهم ما في هذا العالم، فإن الفكر الإسلامي يرى في الاغتراب شيئاً مختلفاً تماماً.
الأرض الصلبة التي ينطلق العقل الإسلامي في تأمله لمفهوم الاغتراب منها هو قول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: «بدأ الإسلام غريباً وسيعود غريباً كما بدأ، فطوبى للغرباء» قيل ومن الغرباء يا رسول الله؟ قال: «الذين يصلحون إذا فسد الناس».
وللحديث الشريف خمس روايات، تشترك كلها في التأكيد على أن الغرباء فئة قليلة من أهل الصلاح والتقوى، استجابت للرسول عليه السلام في مبتدأ الدعوة، ونأت بنفسها عن الشبهات والشهوات، حيث افتتن الناس بهاتين الفتنتين.
بهذا المعنى، فإن جوهر الاغتراب في الفكر الإسلامي هو الاغتراب عن الحياة الاجتماعية الزائفة الجارفة، والاغتراب عن النظام الاجتماعي غير العادل، فالغرباء قاوموا الحياة ومغرياتها بطريقة إيجابية، فقهروا القائمين على الشبهات جميعها، وهكذا حل في نفوس المسلمين النظام الروحي الداخلي الذي يشيع الأمن والأمان.
وبإيجاز بليغ فإن الاغتراب «أمر يشار به إلى الانفراد على الأكفاء»، كما يقول الهروي الأنصاري في كتابه «منازل السائرين».
ويميز الفكر الإسلامي بين ثلاث درجات من الاغتراب، أولها اغتراب المسلمين بين الناس، وثانيهما اغتراب المؤمنين بين المسلمين، وثالثهما العلماء بين المؤمنين.
يرجع ذلك إلى أن المسلمين قلة بين الناس، انفردوا عنهم بأنهم أسلموا وجههم للخالق قولاً وعملاً، ولذا سموا غرباء، وانفرد المؤمنون عن سائر المسلمين بالتصديق الصحيح، فوصفوا بالغرباء، ولقلة العلماء بين المؤمنين وانفرادهم بإعمال الفكر والعقل للحكم على صحة الأمور من عدمها سموا غرباء.
والانفراد الذي حدثنا عنه عبدالله بن محمد الهروي الأنصاري، إما أن يكون بالجسم، وفيه يشترك الناس جميعاً، فالناس كلهم في دنيانا الفانية غرباء، فهي ليست بدار مقام.
وغربة العقل هي غربة أهل الصلاح والتقوى بين أهل الفجور، وغربة الصديقين بين المنافقين، وغربة العلماء بين الجاهلين.
أما غربة الهمة، فهي غربة طلب الحق، وهي غربة العارف التي هي غربة الغربة، لأنه غريب الدنيا والآخرة.
ويبقى من حقنا أن نطالب من يعرف ومن يقدر بأن يمد لنا الجسور في تحقيق فهم أوضح وقابل للتطبيق من أيسر السبل للفهم الإسلامي للاغتراب الذي هو فهم للفطرة الصافية لدى رجوعها إلى نبعها، فلعل من يعرف يبادر فيعطينا من نبع معرفته، في زمن اشتدت فيه الهاجرة وعظم الظمأ.