ردَّدت آفاق القاهرة في الشهور الأخيرة أصواتاً لا حصر لها، من هتافات وصرخات وصيحات ورصاصات وانفجارات، لكن دويّ المطارق على الجدران المحيطة بالمبنى الذي يضم السفارة الإسرائيلية ربما كان الصوت الأكثر استقطاباً للاهتمام، فالأحداث التي واكبته، والنتائج التي ترتبت عليه أكثر خطورة بكثير مما يتصوَّر الكثيرون. لا شك في أن هناك الكثيرين ممن تساورهم مشاعر الغضب والحنق حيال وجود السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وكل ما تمثله، ولكن يوم دوي المطارق قد لا يرتبط بالضرورة بهذه المشاعر.

نظرة واحدة على مجمل التطورات التي انتهت إلى هذا الدوي الكئيب كفيلة بأن توضح لنا أن هناك الكثير من الحراك والأيدي التي فرضت حضورها لتصل بما يجري في الشارع المصري إما إلى الفوضى المطلقة، وإما إلى العودة للعمل بقانون الطوارئ، وهو ما قد حدث بالفعل.

اليوم الذي بدأ بمئات الألوف من المتظاهرين في ميدان التحرير، الذين يدعون إلى انطلاق الثورة المصرية لتقطع الشوط كاملاً، وصولاً إلى غايتها، وإلى نظام ديمقراطي، يقوم على إرساء قيم العدالة والحرية وقطع الطريق أمام قوى الثورة المضادة للارتداد بالبلاد إلى مرحلة لعلها الأسوأ في تاريخها الحديث على الإطلاق، هذا اليوم انتهى على النقيض مما بدأ به.

كان من الممكن أن ينتهي هذا اليوم بأن يتحوّل إلى رصيد بالإيجاب يُضاف إلى ما راكمته قوى الثورة المصرية، التي قطعت كل خطوة من مسيرتها بتضحيات الشباب في المقام الأول والقوى الوطنية التي ترى فيها قضية وجود.

لكن من قلب ظلام عهدناه جاثماً ومتربصاً، وطالما حذرنا منه، انطلقت كوادر لتدفع بعدة ألوف من المتظاهرين لا يدري أحد، حتى هذه اللحظة، هويتهم ولا من أين جاؤوا، وليبدأ المشهد الذي تابعه الكثيرون على مستوى العالم، مشهد تحطيم السور واقتحام المبنى.

قيادات بارزة في وزارة الداخلية المصرية سُئلت: أين كانت عندما اندلع هذا المشهد الفوضوي، فردّت بالقول: لقد قيل لنا إن علينا ألا نتحرك. ممن جاء هذا القول؟ يمتد صمت له أول وليس له آخر في مواجهة هذا السؤال.

إذاً، فقد كان هناك من دبر لهذا المشهد، وأراد لدوي المطارق أن يعلو، لا ليسجل رفض القوى الوطنية المصرية لكل ما يتعلق بالكيان الإسرائيلي، وإنما ليعلن من دوي المطارق الكئيب الحضور الكلي للفوضى، وهو حضور ما كان يمكن للمجلس العسكري الأعلى إلا أن يرد عليه بالمضي إلى قطع الشوط كاملاً نحو استعادة هيبة الدولة، كمحتكر وحيد لاستخدام العنف، ومن هنا أطل إعمال قانون الطوارئ، الذي كان من أبرز مطالب الشعب المصري أن يمضي إلى رحاب النسيان إلى الأبد، ولكن ها هو ماثل ملء الأفق، وكأنه لعنة لا سبيل إلى الفكاك منها. إن محاكمة الأشخاص الثمانية والثلاثين الذين قبض عليهم في غمار هذه الأحداث أمام محكمة أمن الدولة طوارئ هو تطور بالغ الخطورة، ينبغي أن يكون مصحوباً في المقام الأول بتحقيق شامل في كل ما جرى، لمعرفة هوية القوى التي وقفت وراء الدوي الكئيب ليوم المطارق.

في اعتقادي أنه إذا جرى التأريخ يوماً لمحاولات القوى المضادة للانقضاض على الثورة المصرية، فإن المؤرخين سيتوقفون طويلاً عند وقائع يوم المطارق، وسيدركون هذا الارتباط بين العدو الخارجي، الذي أهدر دماء أبناء الشعب المصري على الحدود، وبين العدو الداخلي الذي يحاول طعن شباب الثورة في الظهر والعودة بمصر إلى عهد ظلامي تخلصت منه بمعجزة، وتمضي للتخلص من بقاياه وفلوله المتمرغة في الدم والرماد.

لست أشك في أن قوى الثورة المصرية قادرة على أن تحبط كل محاولات المتآمرين والمتربصين، مهما كانت التضحيات التي تقدم في غمار ذلك، لأن العودة إلى الوراء ليست خياراً مطروحاً.