الطموحات والآمال الكبار والتطلعات التي واكبت اقتراب الحرب الأهلية في ليبيا من وضع أوزارها، بعد تطاحن دام على امتداد الستة أشهر الأكثر دموية في تاريخ ليبيا الحديث، تكاد تكون بلا حدود تقريباً، وتبدأ من التطلع إلى وقف العنف واستعادة الاستقرار، وتمضي عبر إعادة البناء في البلاد، وتعلو إلى حد لم تتردد معه صحيفة «كريستيان ساينس مونيتور» الأميركية في الحديث عن إعادة بناء صرح هوية ليبيا على أسس تضرب جذورها في الديمقراطية.

هذا كله طبيعي، بعد أربعة عقود ظلامية وحرب أهلية طاحنة، لكننا نكتفي هنا بالحديث عن حسابات الحقل والبيدر في قطاع واحد، هو قطاع النفط الليبي، الذي يشكل إحدى الأدوات الأساسية في أي محاولة لإعادة رسم ملامح المستقبل في ليبيا، وضرورة ألا تتضارب هذه الحسابات.

ومن المهم في هذه الحسابات، أن نلفت النظر إلى مجموعة من الحقائق الأساسية التي تفرض نفسها بقوة وإلحاح.

أولاً، هناك حقيقة صادمة، قد لا يعرفها الكثيرون، فعندما استولى العقيد معمر القذافي على الحكم في عام 1969، كان إنتاج ليبيا من النفط يعادل ضعف إنتاجها منه قبل ستة أشهر، وهو 1.6 مليون برميل يومياً، الأمر الذي يشكل 95% من عائدات الصادرات الليبية.

ثانياً، إن أي محاولة لجعل قطاع النفط الليبي يقف على قدميه اليوم، سيتعين أن تنطلق من الصفر تقريباً، فقد تعرض هذا القطاع لشلل يكاد يكون كلياً، فليبيا اليوم لا تنتج ما يتجاوز ستين ألف برميل من النفط يومياً.

ثالثاً، يشير تقرير حديث لمؤسسة وود ماكينزي الاستشارية إلى أن ليبيا يلزمها 36 شهراً، ابتداء من وقف القتال، لكي تتمكن من العودة إلى مستوى إنتاجها السابق على اندلاع الحرب، غير أن الكثير من الاختصاصيين يعتقدون أن هذا التقدير بالغ التفاؤل، وهم يشيرون في هذا الصدد إلى أنه عندما غزت الولايات المتحدة العراق، تطلع مسؤولون أميركيون إلى أن يمول عائد النفط العراقي عملية إعادة البناء، ولكن الأمر اقتضى ثماني سنوات قبل أن يتحقق هذا، والأدهى أن النفط العراقي اليوم لا يزال أقل بنسبة 20% مما كان عليه عندما استولى صدام حسين على السلطة في عام 1979.

رابعاً، حتى بعد أن تضع الحرب الأهلية الليبية أوزارها، فإن من الصعب توقع أن يقطع قطاع النفط الليبي مسيرة سهلة لاستعادة عافيته، فما من أحد يعرف حتى اليوم نطاق الضرر الذي تعرض له القطاع، وتجربة شركات النفط الدولية مع القذافي ستكون عاملاً يحول دون مسارعتها للتعاون مع القطاع في مرحلته الجديدة، حيث اتسمت السياسات الليبية بالتناقض والتخبط، فضلاً عن عناصر الفساد والتربح.

خامساً، من أكثر التحديات التي تواجهها أي حكومة مستقبلية في ليبيا إلحاحاً، إعادة بناء شركة النفط الوطنية الليبية، لتتحول إلى مؤسسة مهنية تعمل وفق المعايير المهنية العالمية، وتدخل في مفاوضات شاقة مع شركات نفط عالمية مثل «إيني» الإيطالية، و«ريبسول» و«واي.بي.اف» الإسبانيتين وغيرها من الشركات العالمية، وفي الوقت نفسه التعامل مع معضلة توزيع عائدات النفط بما يحقق صالح شعب ليبيا، الذي تعرض طويلاً للإفقار والنهب وإهدار الحقوق في أبسط أشكالها.

ومن المهم أن نتذكر هنا أن الديمقراطية لا تجلب معها تلقائياً إنتاجية نفطية أعلى، فقد سبق لنا أن رأينا أن الاتجاه إلى المؤسسات الديمقراطية في روسيا لم يمنع التدهور الهائل في قطاع النفط الروسي قبل انهيار الاتحاد السوفييتي، واقتضى الأمر عقداً من الزمان على الأقل قبل أن يستعيد هذا القطاع شيئاً من توازنه.

وبقي أن نحذر، أخيراً، من أنه إذا شهدت الساحة الليبية تصارعاً بين القوى السياسية المختلفة، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى إبطاء استعادة قطاع النفط الليبي لعافيته وإهدار موارده والتخبط في اتخاذ قرارات فنية معقدة بالغة الأهمية بالنسبة لمستقبل ليبيا.