بينما تتوالى الجهود الدبلوماسية وراء الكواليس من جانب دبلوماسيين على مستويات مختلفة ومن دول متعددة لاحتواء التصاعد في الأزمة التي فجرها استشهاد خمسة مصريين في سيناء برصاص القوات الإسرائيلية، يوجه الشارع المصري رسالة للجميع، من المؤكد أنها وصلت بوضوح، وعلى نحو لا سبيل معه إلى المراوغة أو التجاهل.
الحشود الهادرة من المواطنين المصريين الذين تجمعوا حول المبنى الذي يضم السفارة الإسرائيلية في القاهرة، وتوجوا تعبيرهم عن الغضب حيال هذه الجريمة الإسرائيلية الجديدة بانتزاع العلم الإسرائيلي من فوق المبنى وإحلال العلم المصري مكانه، أكدوا في رسالتهم:
❊ أولاً: أن الشعب المصري لن يقبل بعد اليوم أن تمر مثل هذه الجرائم الإسرائيلية، كما حدث في السابق، وسط صمت قاتل يسدل عليها، وكأنه تواطؤ أقرب إلى المشاركة في الجرم، ذلك أن صانع القرار المصري أصبح الآن محاسبا من قبل الجماهير، وعليه أن يتبنى السياسة التي تخدم الأمن القومي المصري، وفي صدارة مبادئه الحفاظ على الدم المصري، الذي طالما أهدر على يد الإسرائيليين، بما في ذلك القتل العمد للأسرى المصريين برصاص الصهاينة.
❊ ثانياً: أن محاولات التلاعب الإسرائيلية، بما في ذلك الاعتذار اللفظي الإسرائيلي العابر على لسان وزير الحرب الإسرائيلي إيهود باراك، ليست مقبولة، لأنها لا تخفي التعمد وسبق الإصرار من جانب القائمين على آلة الحرب الجهنمية الإسرائيلية.
❊ ثالثاً: أن الشارع المصري يدرك ويعي الضوابط التي تفرضها اتفاقيات كامب ديفيد، ولكنه يدرك أيضاً أن هذه الضوابط ليست قيداً أبدياً مفروضاً على إرادته، خاصة وأن الجانب الآخر فيها حرص دوماً على أن يترجمها ويفسرها لصالحه، في انتهاك صريح لروحها، بل ولنصها أيضاً.
❊ رابعاً: أن الشارع المصري، في غضون هذا كله، يتابع باستنكار أن إعلامه الرسمي لم يكن على مستوى الحدث، من جديد، حيث كانت قنوات فضائية أجنبية هي المبادرة إلى تغطية التظاهرة الوطنية الاحتجاجية المصرية في قلب القاهرة، بينما كان اهتمام المسؤولين الإعلاميين في المقر العتيد للإعلام المصري ــ ماسبيرو ــ غائباً تماماً عن الحدث الكبير.
❊ خامساً: هذه الرسالة موجهة في أحد أبعادها المهمة إلى الأشقاء العرب، وفي مقدمتهم الأشقاء الفلسطينيون، ومفادها أن الدم العربي الواحد لن يهدر بعد اليوم، ولن تسدل أستار الصمت والسكوت والتجاهل على شلالاته، التي طالما روت الأرض العربية. سادساً: أن الشارع المصري يطالب بتحديد واضح وصريح لمبادئ الأمن القومي، في المرحلة المقبلة، بما يضع خطوطاً واضحة وصريحة تتحدى بلونها الأحمر أي محاولة للانتهاك.
هذه الرسالة التي بعث بها الشارع المصري لكل الدوائر المعنية وصلت واضحة وصريحة، والمهم الآن أن يكون صانع القرار المصري، حتى في هذه المرحلة الانتقالية الحافلة بالتقلبات، هو أول من يرد بإشعار الوصول. هذا الرد بإشعار الوصول لا يمكن إلا أن يكون مرفقا بإجراءات صارمة، على مستوى الموقف والحدث، فليس مقبولاً أن يكون هناك تردد في الدوائر الرسمية المصرية في سحب السفير المصري لدى إسرائيل، وليس مقبولاً أن يكون الخطاب الرسمي مع القائم بالأعمال الإسرائيلي في القاهرة مجرد تجاذب لأطراف الحديث.
لقد سبق لنا أن لفتنا النظر إلى التصعيد العسكري الإسرائيلي، وإلى هرولة تل أبيب لإعداد استراتيجية متكاملة للتعامل مع مصر ما بعد الثورة، بما في ذلك الانطلاق في مرحلة جديدة من سباق التسلح، ونحن ننتهز فرصة كتابة هذه السطور لنحذر مجدداً من المزيد من الاعتداءات الإسرائيلية التي يجري التخطيط والإعداد لها.
فهل هناك من يبادر بالخروج من دائرة الانتظار قبل أن يهدر المزيد من الدم العربي؟