ينتظر الكثيرون، على امتداد العالم العربي، الجلسة الثانية في محاكمة الرئيس المصري السابق حسني مبارك ونجليه ووزير داخليته وعدد من كبار المسؤولين في عهده، بعد ان استقطبت الجلسة الأولى اهتمامهم بشدة.

هذا الحرص على المتابعة والإصرار على رصد كل التفاصيل لم يأت من فراغ، فهذه المحاكمة حافلة بمؤشرات واضحة جدير بالتوقف عندها وتأملها وفهم مدلولاتها، لأنها في المقام الأول أقرب إلى علامات على الطريق الوعر إلى المستقبل في مصر، وربما في دول عربية غيرها.

المؤشر الأول الجدير بالوقوف عنده هو انطلاق مسيرة المحاكمة أصلاً، فهذا الانطلاق يعني أن قوى الثورة جادة في مسيرتها، وأنها لن تقبل اللف ولا الدوران ولا أنصاف الحلول ولا اللعب على كل الحبال، وهي أمور من المؤسف حقاً أنها قد شكلت مفردات صارخة في الحياة السياسية العربية، على امتداد وقت ليس بالقصير.

لقد احتاجت قوى ثورة الخامس والعشرين من يناير إلى حشد الملايين في الميادين والشوارع لتجعل من هذه المحاكمة أمراً واقعاً وحقيقة ماثلة أمام العيان، وهي قادرة على إعادة هذا الحشد، إذا تأكد لها أن هناك توجهاً إلى التلاعب بحقوق الذين استشهدوا برصاص قوى الأمن، بناءً على أوامر من أولئك الذين رصدتهم العيون والكاميرات، والذين ربطهم جميعاً خط ناظم، هو إنكارهم للتهم التي وجهت إليهم جميعها.

المؤشر الثاني والمهم أن المحاكمة تتم في إطار القانون المصري القائم، فهي ليست محاكمة تتم في إطار الشرعية الثورية، وليست منظورة أمام القضاء العسكري، وهي بعيدة عما شهدناه على امتداد عقود من محاكمات لم تكن إلا مقدمات للتنكيل الوحشي بقوى المعارضة.

في إطار هذا المؤشر، ندرك جلال القضاء المصري العريق، وندرك أن الإرادة السياسية للشعب المصري هي إرادة تنبذ المقصلة، وترفض الجيولتين، وتأبى إلا العدل، تلك القيمة العليا في الحضارة الإسلامية، التي تبناها الإنسان العربي في مصر، وجعلها طريقة حياة، ولم يضل الطريق إليها، إلا في الأيام الرمادية للطغاة والمستبدين.

المؤشر الثالث أنه ما من أحد في الشارع المصري انساق مع الشائعة التي ترددت حول أن الرجل الماثل في قفص الاتهام على سرير مستشفى ليس مبارك، وإنما رجل يشبهه، فهذا التصور يحيل إحدى أكثر لحظات التاريخ المصري الحديث خطورة إلى مهزلة، وليس في مصر اليوم من يهزل، أو يقبل الهزل، لأن ما يجري صنعه اليوم ليس إلا التاريخ الذي سيدرسه أبناؤنا وأحفادنا في قابل الأيام.

المؤشر الرابع هو الحضور القوي لـ «المدعين بالحق المدني»، حقاً أن فرق الدفاع عن المتهمين فاقت المحامين الذين يرفعون أصوات «المدعين بالحق المدني»، كما بدا جلياً، لكن الحقيقة الواضحة والبسيطة هي أن شهداء مصر لن يموتوا مرتين، لقد ماتوا في ميادين مصر وشوارعها من أجل مستقبلها، لكن التلاعب بالحق هو اغتيال جديد لهم، ومصر لن تقبل بمثل هذا السيناريو.

أما من يتصورون أنهم من البراعة بحيث يعيدون عقارب الساعة إلى الوراء، ويدوسون التاريخ بالأقدام، فإن عليهم أن يدركوا أن الشعب المصري، شأن كل الشعوب العظيمة، قادر على أن يأكل لحم مغتصبه، أو من يحاول اغتصابه بقتل شهدائه مرتين.