سهل أن يتهاوى البنيان أو يتدحرج من علٍ، لكن ما أصعب أن تتسلق الفكرة سفح الصعود نحو التجسد.
والحال هكذا، فما البال إن كان نخر كبير في البنيان أصلا، يجعل من إعادة لملمته ذاتيا غاية في الصعوبة، فإذا ما التقت إرادات داخلية وخارجية على ديمومة البعثرة، فإن اللملمة تغدو ضرباً من العبث والاستحالة.
الأغلب أن هذا ما يحدث في العراق.
يصح ما سبق إزاء الانهيار القياسي للدولة العراقية فور دخول الدبابات الأميركية بغداد، وحل السياج العسكري، كما يصح في تفسير ما يجري حاليا من صعوبة استعادة الأنفاس. كل شعارات التفاؤل بعراق جديد، تلاشت وراء استعصاء بنيوي ضرب مقومات الدولة المزمعة، في كل مستوياتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
نظام شمولي كان يستبد بالعراق، أداته الرئيسية حزب البعث ومتفرعاته في الجيش القومي وأجهزة الأمن الحديدية. كل ذلك صحيح، لكنه في أقل القليل يشير إلى ملامح مؤسساتية، على الرغم من لاموضوعيتها وأحاديتها السياسية. لكن ما يحدث الآن في بلاد الرافدين يثير العجب.
بداية، كان البديل أشبه بالرجوع إلى العصر الرعوي من خلال إدارة المناطق الواقعة تحت الاحتلال الأجنبي، عبر توزيع الهبات على زعماء عشائر وطوائف، وترك أمور التخطيط والصرف لهم، ثم مع تراجع قبضة الاحتلال وبدء العد التنازلي لرحيل القوات الأجنبية، كان البديل "الوطني" لحقبة الاحتلال، هو التراضي بين الفرقاء على أساس المحاصصة والمساومة لبناء الدولة الجديدة.
جرت غير انتخابات، وكلها على أساس التقاسم الطائفي العرقي لمقاعد التمثيل والسلطة، وهو ما أعاد العراق إلى ما قبل حقبة البعث وما حملته من بعض مؤسساتية كان يمكن البناء عليها.
أبناء العراق لا تنقصهم الذهنية السياسية الواعية لخصوصيات الوضع الداخلي، ومخططات القوى المؤثرة الخارجية: أميركا عملت منذ البدء على تفتيت الدولة العراقية، لقطع الطريق على عودة الدولة العربية الأميز لجهة امتلاك ميزات الاكتفاء الذاتي وحوز القوة والمنعة من دون الحاجة إلى جدار إستنادي خارجي، وإيران على الجهة المقابلة، لها مصلحة في هذا التفتيت وتحويل العراق إلى مجاميع مستقلة القوة العسكرية، يمكن التأثير في وجهة فوهات بنادقها، بل وتصويبها نحو الهدف.
أبناء العراق يعلمون ذلك جيدا، لكن شيئا ما يحول دون تحويل هذه المعرفة إلى برامج عمل وخطط تنفيذية، رغم أن المواطن العراقي باتت تضيق به السبل وآفاق الغد، بعد اعتكار الحاضر واعتكاف الفرقاء في معازل الماضي الطائفية، كل ترك وراءه فكره الليبرالي المؤسساتي، ولجأ إلى طائفته يؤسس فيها لبرج مستقل عصي على الانفتاح.
في موازاة التخندق هذا، تواصل حقبة اللاقانون مد ما يشبه شريعة الغاب، حيث القوي حصين في مقدوره استئجار ما يصل إلى 25 شركة أمن خاصة وغير قانونية، لافتقاد أعتى الحضارات الحمورابية إلى تشريع ينظم عملها، بينما الفقير نهب لشتى الأخطار وانسداد الأمل.
نعلم ويعلم العراقيون جيدا، أن التجانس العرقي والطائفي المطلق في مجتمع ما هو المستحيل بعينه، وتاليا فإن مصطلح الوطن يحل عقدة التناقضات هذه في حس وطني جامع، يقوم على عقد اجتماعي محكم الصياغة القانونية والمؤسساتية، يوفر للكل خصوصية تخدم تراكمية تجاربية تجعل الهوية مصلحة عملية وعلمية، تتوج دولة منيعة ضد شروخ المصالح الضيقة.
ما الذي ينقص شعب أقدم الحضارات لنحت المجد الوطني صرحا جديدا، سوى إرادات مؤجلة.. أو مؤجرة؟!