الخلاف الكبير المحتدم الآن في القاهرة تختزله علامة استفهام تبدو أكثر من واضحة: الدستور أولاً أم الانتخابات، برلمانية ورئاسية؟
السؤال لا يفتقر إلى المدة والإلحاح والوجاهة أيضاً، والمتحمسون للدستور يتظاهرون، ويضغطون، من أجل أن تكون الإجابة بما يتفق مع وجهة نظرهم. أما المتحمسون للانتخابات، فيقولون إن وضع الأولوية لدستور جديد يعني إهدار أصوات 70% من أبناء الشعب المصري، هم الذين صوتوا في الاقتراع على تعديل الدستور بالموافقة.
هذا كله، بالتأكيد، مهم ويستحق المتابعة الدقيقة، على أمل استشراف أفق المستقبل، ومعرفة إلى أين يمضي التيار الرئيسي للحياة السياسية في مصر، الذي ترمقه العيون، لأن مساره سيعني الكثير بالنسبة للكثيرين ممن يرصدونه وينتظرون تأثيره المقبل في الغد القريب.
لكن الأكثر أهمية أيضاً هو: على أي أرضية من حياة الناس يجري هذا كله؟ على أي أساس اقتصادي؟ على أي قدر من عودة دولاب الإنتاج في مصر إلى الدوران؟
دعنا نأخذ الميزانية المصرية الاقتصادية المقترحة قاعدة للمؤشرات التي يمكن أن تدلنا على ملامح الغد المصري، الواقعي، الرقمي، الذي لا يقبل المجادلات ولا المماحكات.
أول ما نلاحظه أن الميزانية تلحظ «العدالة الاجتماعية»، وهو مفهوم يبدو أنه لم يكن له وجود، إلا بالاستبعاد، في مراحل سابقة لثورة الخامس والعشرين من يناير.
ولكن كيف تترجم الميزانية المقترحة هذا المفهوم؟
الميزانية تشير إلى 26% زيادة في دعم الغذاء والسلع الاستهلاكية الرئيسية، التي تعرف أنها في السنوات الأربع الماضية كانت تشكل 8% من إجمالي الدخل المحلي المصري.
والميزانية المقترحة أيضاً تشير إلى زيادة للدعم في قطاع الإسكان بأكثر من 50% وإلى زيادة في قطاع النفط بحوالي 23% وإلى زيادة للمعاشات والتأمين الاجتماعي بنسبة 71% وإلى زيادة في استحقاقات الرفاه بنسبة 50%. أما من لا يعتمدون على الحكومة، فإن أمامهم المعلم الكبير في التحول في الحياة الاقتصادية المصرية، وهو جعل الحد الأدنى للأجور 700 جنيه مصري شهرياً.
ولكن دعنا نتذكر أن زيادة تكلفة العمالة ستصب أيضاً في زيادة نسبة التضخم في مصر، وهي تحلق الآن ـــ لمن لا يعلم ــــ في آفاق 12% هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فإنه لن يعالج بأي شكل من الأشكال كارثة البطالة في مصر، وهي تقترب الآن من 12%، كما أن الحصول على مال أكثر عن العمل نفسه لن يجعل العاملين المصريين أكثر ازدهاراً في المدى البعيد.
الشيء الأكثر أهمية الذي ينبغي أن نلفت له النظر هو أن الغد المصري، الذي نتطلع إليه، لن يقوم على عودة دولاب العمل المصري إلى الدوران، ولكن يقوم على روح جديدة قوامها أن مصر لن تنهض على قدميها إلا بعرق أبنائها، فحتى الآن لم نرَ موجة العودة إلى العمل تنطلق هادرة، على امتداد الوادي، ولم نسمع أغاني سيد درويش تعود للتردد عن اعتزاز المصري بما تصنعه بلاده.
النغمة الأكثر ارتفاعاً، التي نسمعها، تدور، على العكس من ذلك حول المليارات الثلاثة من الدولارات التي قدمها صندوق النقد الدولي لمصر، أو بالأحرى التي تعهد بتقديمها، والتي تلت تعهداً مماثلاً من البنك الدولي بتقديم 4.5 مليارات دولار، فضلاً عن الملياري دولار من الإعفاءات من الديون أو ضمانات الديون من جانب الإدارة الأميركية.
وبالتوازي مع الأسئلة المؤرقة، على الصعيد السياسي، في مصر، ينهض سؤال أكثر إثارة للقلق هو: أهذا غدنا حقاً؟