الذين شاركوا في أحداث ميدان التحرير، أو تابعوها على امتداد الأيام الثمانية عشر الأكثر تأثيراً في تاريخ مصر الحديث، والتي توجت ثورة الخامس والعشرين من يناير، لاشك أنهم يذكرون تلك اللافتة التي لا تنسى، والتي رفعها متظاهر، يشير فيها إلى أن كيلو اللحم يساوي مئة جنيه، بينما المتر في «مدينتي» يساوي نصف جنيه. ولكن ما الذي يجعل هذه اللافتة تتحدى النسيان على هذا النحو من بين ألوف اللافتات التي ارتفعت في الميدان وعلى امتداد أرض مصر؟
السبب هو، ببساطة، أن هذه اللافتة اختزلت الثورة في كلمة ولخصت وقوع 40% من المصريين تحت خط الفقر، بالتزامن مع انطلاق سلسلة من المدن التابعة المحيطة بالقاهرة، والتي تمزق النسيج الاجتماعي للمجتمع، وتشير إلى بذخ نخبة محدودة للغاية وانكفائها على نفسها داخل أسوار خوفاً من غضب الجائعين.
رحمة ربي هي وحدها التي حالت دون وقوع السيناريو الرهيب، الذي طالما خشيه الكثيرون من أبناء مصر ومحبيها، أي تكرار حريق القاهرة، أو اندلاع مظاهرات غضب وجوع، ترفع التدمير شعاراً لها.
لكن هذا الامتنان العميق لرحمة السماء ورأفتها بهذا البلد، مصر، لا ينبغي ان يحجب عنا الحقيقة البسيطة، وهي أنه في بلد يعيش 42% من أبنائه تحت خط الفقر سمح الفساد للنمو العمراني بأن يصبح مرادفاً لما هو كريه ومقيت، بدلاً من أن يكون موازياً لما ينبغي الاعتداد والفخر به.
إن علينا ألا ننسى كلمات دكتور أحمد عكاشة الطبيب النفسي الشهير، الذي قال إنه لكي يزدهر أي نظام اجتماعي في الدنيا، فلابد أن تكون هناك علاقة تكافلية بين مختلف الطبقات، ولكن مصر شهدت تمزقاً في التماسك الاجتماعي، والذي مضى مع التغييرات التي شهدتها مصر في استخدام الأرض لنصل إلى مرحلة المدن التابعة، التي عمقت الهوة بين الأغنياء والفقراء، وهذه الهوة أفرزت موقفاً بالغ الخطورة في مصر.
الذين لهم أدنى معرفة بالعمارة وتخطيط المدن يعرفون ان القاهرة نمت على امتداد أربعة عشر قرناً في داخل حدودها الطبيعية، أي بين تلال المقطم شرقاً والصحراء غرباً، أما الآن فهي أكبر مدينة في افريقيا، وتضم عشرين مليوناً من البشر على الأقل.
ولكن في العقد الماضي تغيرت هذه المدينة على نحو مذهل، وانبثقت عنها مجموعة المدن التابعة، التي كانت أقدمها مدينة السادس من أكتوبر، التي يتوقع خلال السنوات الخمس المقبلة أن يصل عدد سكانها إلى خمسة ملايين نسمة، والشيء نفسه ينطبق على القاهرة الجديدة. ويتوقع الخبراء أنه في عام 2030 سيصل عدد سكان القاهرة الكبرى إلى 30 مليون نسمة، وأن نصف هؤلاء السكان سيقيمون في المدن التابعة، وليس في القاهرة نفسها.
هذه الظاهرة لها أسباب اقتصادية وديموغرافية معروفة للكثيرين، وبالطبع ليس هناك من يكره تطوير الأرض والانطلاق بالعمارة والبناء والتشييد، لكن الفساد الذي ضرب أطنابه خلال العقدين الماضين، وبصفة خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة، تحول إلى طريقة تعامل، إلى طريقة انتاج، وإن شئت الدقة إلى طريقة حياة وأسلوب تنفس.
لهذا، على وجه الدقة، أصبحت المدن التابعة موضع فحص، موضع تساؤل، موضع محاسبة، وإن شئت اصبحت رمزاً لكل الفساد، الذي ارتفعت عفونته إلى عنان السماء، وكأنها رائحة جثة تطلب الدفن، وتستجدي المواراة.
إن هذا التناقض الصارخ بين العشوائيات والمدن التابعة لابد أن يجد حلاً. ومن المؤكد أن طريقة هذا الحل ستعتمد على مدى اتسام الحكومات المقبلة في مصر بالطابع الديمقراطي، فهذا الطابع هو وحده الذي سيحل المشكلة، مشكلة نهب الأرض ومعالجة تمزق النسيج الاجتماعي في أقدم دولة في العالم.