كان يمكن أن تتحرك مشاعر عقدة الاضطهاد التاريخي، لدينا ونحن نتأمل مهزلة انتخابات اتحاد كرة القدم الكوني «فيفا»، وخروج العرب من المنافسة تحت ضغط الفضائح «المسبوكة»، وما تلا ذلك من استعانة بلاتر، لمحاصرة هذه الفضائح، بهنري كيسنجر الذي كان حاضرا في مشهد أشد الفضائح الأميركية التاريخية.

 

كان يمكن أن نكتب عن الخيط المعهود بين هذا الخروج، والعراقيل الكبيرة الناشئة أمام استضافة البحرين سباق «الفورمولا» الشهير.

 

كان يمكن أن نلتفت إلى كل ذلك، لولا تعلق أبصارنا وبصائرنا معا بشاشة التلفاز المزدحمة بالسواتر والشوارع المدماة. بتنا على موعد دائم مع يوم الجمعة، ساعات من التنقل بين الفضائيات العديدة والمشهد الواحد: «يوتيوب» يطلعنا على آخر مشاهد الضحايا الموزعين على رقعة جغرافية واسعة، لفرط تكرار أسمائها حفظناها عن ظهر وجع القلب.

 

لا مجال هنا لتجنب المشهد السوري بكليته، لا ما تقوله السلطة هناك ولا ما يقوله المعارضة والمحتجون أيضا، بل ما يئن به ضميرنا ولهفتنا على مستقبل هذه الأمة. فإن كانت بين قَتام المصائب بارقة أمل، فهي عودة الأحداث لتذكرنا بأننا فعلا عرب تنخلع أفئدتنا في المشرق لمشهد ضحية في المغرب.

 

من هذا المصير القدري الواحد، لا بد أن نعترف أننا في الموضوع السوري لا نملك الكافي من المعلومة المؤهلة للتحليل، وعليه لا نستطيع أن نفند أو ندحض أو نؤكد، فقط نلم شظايا النزر من المعلومات في تجميعة تضم من الأسئلة أكثر من الإجابات.

 

لكن في العموم، لا نستطيع أن نقول إنه لم يرفع السلاح في المناطق السورية من قبل شرذمة تحاول حرف مسيرة الجموع الهادرة عن سلميتها وتحركها المدني، المظاهرات في سوريا حقا سلمية، .

 

وإن لم تخل من تأثيرات هذه الشرذمة التي قد تكون مدفوعة من أجندات خارجية أو طلبا لثأر شخصي قديم، أو ردا عفويا على مقتل الابن أو الأخ أو الأب برصاص الأمن وميليشياته المدججة بتجهيزات مفاجئة.

 

غير أن هذه الشرذمة ما كان لها أن تترك ولو خدشا في بياض التحرك الجماهيري السلمي في سوريا، لولا إمعان السلطة هناك في الحل الأمني والضغط القاتل المقرون بتمييز الرصاص بين السحن وفئاتها وانتماءاتها. من هذا الضغط والتمييز تطل ملامح الخطر الحقيقي على سوريا: السيناريو الليبي.

 

عندما يتحدث خبير في الشأن السوري من عيار روبرت فيسك، عن اتجاه المقهورين في درعا وحمص تحديدا إلى حمل السلاح لمواجهة مسلسل سقوط الضحايا تباعا، فإن هناك أمرا ينبغي التوجس ــ على الأقل ــ حياله.

 

على هذا التوجس نقرأ الموقف التركي المتصاعد، بعدما باتت بلاد رجب طيب أردوغان جزءا من الأزمة السورية، بتدفق آلاف الهاربين إليها من جسر الشغور. هنا النذير: تركيا لا تستبعد تدخلا عسكريا في الأراضي السورية، تحت شعار إنشاء مخيمات آمنة للاجئين السوريين داخل وطنهم لا في تركيا.

 

هذه بالتأكيد ستكون بداية التدخل العسكري الخارجي في سوريا، ولاسيما أن الغرب الأطلسي مشغول عسكريا حاليا في ليبيا، علاوة على الرفض الغريزي لعموم الشعب السوري لأي تدخل غربي في بلادهم، لكن يافطات الشكر للجار أردوغان فوق رؤوس المتظاهرين، قد تجعل من هذا السيناريو أقل ممانعة، بل أكثر قبولا.

 

ونسأل مجدداً: أي انتماء وولاء للوطن من قبل كل أطراف الصراع على المستقبل، هذا الذي يحشد قواه لفتح حدود سوريا أمام الوصاية الجديدة؟