صدق من قال «الهزيمة يتيمة وللنصر آلاف الآباء»، وما نشهده على الساحة المصرية الآن يشهد بذلك، حيث بات يصعب علينا تحديد من هم الثوار الحقيقيون ومن هم أعداء الثورة، وكأن نظام حسني مبارك على مدى ثلاثة عقود، لم يكن فيه سوى هذه الحفنة من كبار الفاسدين الذين نتداول أسماءهم الآن، والذين يطالب بمحاكمتهم ليس فقط مؤيدو الثورة، بل الجميع بمن فيهم من كان يعمل معهم ومن كان على علاقات وطيدة بهم، والمستفيدون من فسادهم بشكل مباشر أو غير مباشر، ومن كان ليل نهار ينافقهم ويسبح بحمدهم وشكرهم، سواء من النخبة السياسية أو الإعلامية أو من نجوم الفن والرياضة، وجميعهم الآن نراهم ثوارا كبارا، والدليل على ثوريتهم أنهم «كانوا في ميدان التحرير»، ولا يهم متى كانوا هناك، قبل أو بعد تنحي مبارك، ولا ما هو سبب تواجدهم، ولا يهم كم من الوقت أمضوا في الميدان، دقائق أو ساعات أو مروا مرورا عابرا بالسيارة في الميدان.. يكفيهم دليلا على ثوريتهم أنهم فقط كانوا هناك، وهم الآن يتصدرون الصورة، ويعتلون المنابر، ويديرون الحوارات على شاشات الفضائيات، ويشحذون الهمم استعدادا للمعارك الدستورية والانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة. ولا غضاضة في ما يفعلونه هذا، فالمشاركة في الثورة واجب، أما المشاركة في ثمار الثورة فهي حق مكتسب للجميع، لكن المشكلة أن الكثيرين من هؤلاء الذين يعتبرون أنفسهم ثوارا ويتشدقون بالثورة، يمارسون ممارسات غير ثورية، ونسمع بعضهم يكيلون الاتهامات والانتقادات للحكومة وللمجلس العسكري، ووصل الأمر بالبعض إلى درجة التشكيك في ولاء هذه الجهات التي تتولى الآن أصعب وأعقد المهام في تاريخ مصر الحديث. ولا أستطيع الجزم بأن جميعهم حسني النية في ما يقولون، خاصة منهم من يثير الشكوك حول وجود مؤامرة بين المجلس العسكري، فهذا الكلام غير مقبول على الإطلاق، ولا حتى من منطق «حرية الرأي»، وذلك لخطورته الشديدة في هذه المرحلة، وأيضا لانعدام منطقيته وموضوعيته، ذلك أنه لا يمكن إنكار فضل المجلس العسكري ودوره الحاسم في انتصار الثورة وعزل الرئيس مبارك، ومثله أيضا الكلام حول الحكومة ورئيس الوزراء والتشكيك فيهم. وإذا كان هذا الكلام متوقعا من أعداء الثورة، فلا يمكن قبوله ممن يدعون أنهم ممثلون للثورة وأنهم من شبابها، بينما هم يسعون لتحقيق مصالح شخصية وطموحات مرحلية مؤقتة، بل منهم من يزايد حتى على الشباب الذين صنعوا الثورة ويسعى لتنحيتهم بعيدا، معتبرا أنهم صغار على هذه المرحلة وعديمو الخبرة، وأن دورهم انتهى عند تنحي حسني مبارك. وأكثر من ذلك ذهب بعض الجهات إلى تأسيس تشكيلات من شباب من داخلها، وأطلقت عليها «شباب الثورة»، وسمعنا أن هناك أكثر من مائة تشكيل شبابي ينتسب للثورة وينتمي في نفس الوقت لتشكيلات سياسية وحزبية مختلفة، في حين أن شباب الثورة الحقيقيين يرون أن الثورة لم تنته وأن النضال ما زال مستمرا، وأن النظام السابق ما زالت أزلامه موجودة وتدير المعركة المضادة للثورة، وبشراسة ملحوظة. ولهذا يشعر الشباب بالخوف والقلق الشديد على ثورتهم، ويحرصون على أن يعلم الجميع أنهم ما زالوا موجودين في الميدان، وأنهم مستعدون دائما للتصدي بقوة لكل من يحاول الالتفاف على ثورتهم أو إضعافها أو تشويه صورتها، بينما لاحظنا في جمعة الغضب الأخيرة في مايو، امتناع معظم التشكيلات السياسية، الحزبية منها والدينية وغيرها، عن المشاركة في هذه الجمعة، وناشد بعضهم الناس بعدم المشاركة فيها بحجة الخوف من الوقيعة بين الجيش والشعب، في حين أن المجلس العسكري سمح بالتجمعات في الميدان، حتى في غياب قوات الجيش.
أيا كان الأمر فعلى ما يبدو أنه طالما الميدان مفتوح والكعكة لم يتم تقسيمها بعد، فسنرى المزيد والمزيد من ثوار «زوار» الميدان.