يُقيم، في هذه الأَيام، في مستشفياتٍ سعودية، الرئيس اليمني علي عبد الله صالح، ومعه رؤساء الحكومة والبرلمان ومجلس الشورى. وكانوا قد أُصيبوا، شفاهم الله، في حادثةٍ ما زال التباسٌ قائماً بشأْنِها، وإِنْ كانت وجيهةً، ربما، روايَتُها الحكومية، وهي أَنَّ قذائفَ استهدفت مسجداً في قصرِ الرئاسةِ، فأُصيبوا فيما كانوا في صلاة الجمعة. وجاءت الواقعةُ في غضونِ مواجهاتٍ حربيةٍ بين قوات صالح ومسلحي شيخ مشايخ قبيلة حاشد صادق الأَحمر، احتدمت بعد ضربِ منزلِ الزعامةِ التاريخيةِ للقبيلةِ بالصواريخ. وجاءَت، أَيضاً، فيما يعرِفُ اليمن أَزمةً حادَّةً في الحكم، حيث مطالباتُ اليمنيين، في اعتصاماتٍ ومظاهراتٍ في عدةِ مدنٍ، بتنحّي صالح واسعةٌ ومتواصلةٌ منذ أَشهر، وحيث مراوغاتُ الرئيس مع المبادرةِ الخليجيةِ لحلِّ الأَزمة كانت مُضجِرة، وأَيضاً، حيثُ العسفُ الأَمنيُّ شديدٌ ضد الثوار والمحتجين، ومن وقائِعِه سقوطُ 50 قتيلا منهم في مذبحة 18 مارس الماضي في صنعاء. وإِذا تذكَّرْنا أَنَّ سلفيْ صالح في رئاسة اليمن أَحمد الغشمي وإِبراهيم الحمدي، قضيا اغتيالا، وأَنَّ بين أَيدي أَهل اليمن الـ24 مليوناً، 60 مليون قطعة سلاح، فإِنَّ الخوفَ في محلهِ من أَنْ يَتَّسِع المأْزقُ الأَمنيُّ في هذا البلد الذي أَنهكت جيشَه جولاتُ الحروب مع الحوثيين، والمواجهاتُ مع الانفصاليين في الجنوب، والصداماتُ المسلحة مع القاعديين في غير مطرح، لاسيما أَنَّ الحربَ الأَهلية واحدةٌ من نذرٍ أَلمحَ إِليها صالح نفسُه.
نجحَ علي عبدالله صالح طوال رئاسته اليمن 33 عاماً، في الإِمساكِ الدقيقِ بخيوط السلطةِ في بلادِه، وظلَّ حاذقاً في الموازنةِ بين سلطتي القبائل والدولة، واستظلَّ طويلاً بدفءِ قبيلة «حاشد» التي ينتسب إِليها، وبالإِسنادِ القويِّ من شيخِها وزعيمها، الراحل قبل أَربعة أَعوام، عبدالله الأَحمر الذي لولاه لما صار رئيساً، ولما تأَمَّنت له الأُغطيةُ السعودية عند المطبّات طوال حكمه. وإِذ يغادر أَبناءُ الشيخ التسعة، ومنهم صادق الأَحمر، إِسناد صالح، للنفوذِ الذي صار عليه أَنجالُه وإِخوتُه وأَبناؤُهم في الجيش والدولة، وللاختلالِ الذي استجدَّ في العلاقةِ بين سلطتي القبيلةِ والدولةِ في البلاد، إذ حدث هذا وغيرُه، صارَ غيرَ مؤَكَّدٍ ومنقوصاً نجاحُ رهاناتِ الرئيس على دربته، وخبرتِه المديدةِ في الرقصِ على رؤوسِ الثعابين، على ما وصف مرَّةً، حكم اليمن.
وجودُ رؤساءِ الشرعيات الثلاث لليمن جرحى في مستشفياتٍ سعوديةٍ، علامةٌ كاشفةٌ على الجروحِ العميقةِ في البلاد، والتي ما صارت كذلك إِلا بعد أَن استوطن لدى الرئيس وهمُه أَنَّ هتافاتِ آلافٍ له في كل جمعةٍ تُواجِه هتافاتِ آلافٍ ضدَّه، تحمي رئاستًه، وغابَ عنه أَنْ يجيبَ عن سؤالٍ عما إِذا كان في وسعِهِ الحكم وسطَ هذا المشهد. وتوهَّمَ أيضاً أَنَّ حدوتة صناديق الاقتراع كافيةٌ لإقناعِ اليمنيين بمواصلتِه المكوثَ في القصر الرئاسي، إِلى حين انتهاءِ ولايتِه الراهنة، وفي البال أَنَّه أَشهرَ أَنَّه لن يترشحَ لها في انتخابات 2006، ثم استدركَ، لاحقاً، أَنَّه سيقودُ السفينةَ مجدداً، حتى إِذا طالبَه بعد نحو عامٍ الشيخ حميد الأَحمر (شقيق صادق والأَكثر جرأَةً والتاجر الناجح) بالتنحي، بدأَت رئاسةُ صالح مسارَها إِلى الاهتزاز، ومع ثورةِ ساحةِ التغيير في صنعاء تسارعت خطاها نحو مآلها المرتقب، ولم تعدْ أَدواتُ التذاكي إِيّاها، ومعها الرضا الأَميركي المتذبذب، كافيةً لاستمرار الجلوس الهانئ على برميل البارود، لا سيَّما أَنَّ التناقضاتِ ما انفكَّت تتسع مع آل الأَحمر والشيخ عبد المجيد الزنداني، وأَول المنشقين في الجيش اللواء علي محسن الأَحمر. تتوالى هذه التفاصيلُ في غير صالح علي عبدالله صالح، لكنها، ربما، في صالحِ اليمن، وإِن كان المشهدُ مشوشاً، وأَكلافُ الانعطافةِ بعدَه ثقيلة، والتحديات المقبلة مهولةٌ، تنموياً وأَمنياً، في سعي أَهل اليمن الطيبين نحو التحديثِ والديمقراطيةِ في بلدِهم الذي نشتهي، دوماً، أَنْ يصيرَ سعيداً.