تستقطب التطورات الأخيرة على الساحة المصرية اهتماماً فائقاً، خاصة وأن هناك من لم يترددوا في وصفها بأنها «ثورة ثانية»، وأن المجلس الأعلى للقوات المسلحة المصرية قد بادر إلى تأكيد عزمه تسليم السلطات التي يمارسها اليوم إلى الجهات المدنية المحددة، وفق الآلية المعلن عنها والمواعيد المعروفة للكافة.

هذا الذي يجري يغرق من يتابعوه في فيضان من التفاصيل، التي تكاد أن تصل بهم إلى حد التشتت التام، لكنه على أهميته لا ينبغي أن يحجب لا عن البصر ولا عن البصيرة الصورة الأكثر شمولاً. لا يحتاج المرء إلى أن يكون قارئاً أو متابعاً مدققاً للتاريخ المصري الحديث كلما يدرك أنه في جوهره، وصولاً حتى اليوم، بكل صراعاته وتمزقاته وأشلائه ودمائه، إنما كان يدور، بأوسع المعاني، حول قضيتين محددتين.

القضية الأولى هي القضية الوطنية، والتي قصد بها، في تقاليدها العريقة، تحرر الوطن من غاصبيه، وثمة مدرسة بكاملها لا تتردد في القول إن هذه القضية قد حسمت تماماً، مع خروج المحتل الإنجليزي من أرض مصر، في منتصف الخمسينيات.

بالمقابل هناك مدرسة من الفكر والحركة في مصر ترى أن القضية الوطنية لا تزال الملف الحقيقي الأكثر أهمية المطروح اليوم وغداً، وأنها جوهر الأشياء، رغم كل ما يثار عن الخلافات والصراعات حول آليات الحركة السياسية والأحزاب والانتخابات.. إلخ، فمن منظور المنتمين إلى هذه المدرسة لا تزال القضية الوطنية هي قضية مصر الأولى بامتياز، ذلك أنه بمقتضى بديهيات القانون الدولي تعد مصر دولة منقوصة السيادة، بفعل اتفاقية كامب ديفيد.

ربما لهذا، على وجه الدقة، فإنه لا أحد يتصور مدى التربص الهائل الذي يدور وراء الكواليس بقوى الثورة في مصر، لأن ميلاد نظام ديمقراطي يعني بالضرورة السير في طريق حل القضية الوطنية حتى النهاية، مهما كانت التضحيات.

أما القضية الثانية فهي القضية الزراعية، أو إن شئت الدقة، فقل هي قضية الأرض، وعلى الفور يمكنك أن تدرك أنه لا انفصال بين القضية الوطنية والقضية الزراعية، على امتداد تاريخ مصر. لست أريد أن أزعج القارئ بالكثير من التفاصيل، ومن هنا، فإنني أقول، متمنياً ألا أقع في خطيئة التعميم المخل، وإن الخليفة العادل عمر بن الخطاب هو الذي وضع القاعدة التاريخية العظيمة، التي مفادها أن أرض مصر، شأن أرض الأمصار التي فتحها الله على المسلمين، ليست ملكاً لفرد ولا لنخبة، وإنما هي ملك لبيت مال المسلمين. وقرر لهذا كله أن يتغير مع إدخال أنظمة حديثة، ومن أشهرها لائحة المقابلة، التي تتيح ملكية الأرض الزراعية مقابل دفع سبعة أمثال الضريبة مسبقاً، وبالتراكم حدث الخلل الذي ارتمى ظله على مصير مصر، فقد امتلك الأرض من لا يزرعونها، وتمزقت بين أحبار حجج الملكية وعرق العمل في الحقول. اليوم تمتد قضية الأرض من الزراعة إلى الأرض على إطلاقها، خاصة مع بروز عنصر الفساد، الذي أتاح نهب مساحات هائلة من أرض مصر، وتحديداً في ضواحي المدن ومناطق المنتجعات والسواحل، لكثيرين من ذوي النفوذ والسلطان والهيلمان والمتواطئين والضالعين معهم في ظل عهد قبل ثورة 25 يناير.

إذا كان المصريون يعرفون كيف يستردون أرضهم من الضباع وسراق الليل الداخليين وناهشي الجثث الذين أتقنوا أساليب النهب والسرقة والنصب والادعاء، فإن المستثمرين الخارجيين يشكلون معضلة حقيقية، لأن منهم من يرفعون لواء القول بأنهم مستثمرون شرفاء، عملوا في ظل قوانين سارية وبالتعاون مع مسؤولين حكوميين في مواقعهم المعترف بهم، ولا يتردد جانب منهم في اللجوء إلى التحكيم الدولي وغيره من متاهات التقاضي. ومن المؤكد أن مصر قادرة أيضاً على الوصول إلى حلول حتى مع هؤلاء. لكن الأفق ينفتح على صراعات ضارية، على صعيد القضيتين معاً، ومن يرد متابعة وقائع الغد، فعليه أن يقرأ تاريخ شعب سطر حضوره دوماً بالنضال والتضحيات.