أطلت نسمات بين سحب «دوفيل» الفرنسية البيضاء، داعبت شعر أعتى ثمانية رؤوس في العالم، في الواقع بعثرت دبلوماسية الصورة والياقات المخملية، بيد أنها وقفت عند باب القاعة مهابة وخشية من العبث في أوراق السادة الكبار على الطاولة؛ من هنا، من بين السطور أطل الربيع العربي خجولا.

 

هكذا بدا المشهد، ربيع بعد خريف أسلم القلب المفطور بمحمد الدرة، لتعود دورة الفصول المريرة تلهج بما لا يوصف من 13 ربيعا وطنية مشوهة، على جسد غض حمل اسم حمزة الخطيب.

 

قيل إن الغريق قد يتشبث بأي شيء حتى لو كان ناب قرش، والحق أن الفاجعة تنتج ما هو أقسى منها، على طراز تهليل ثوار ليبيا لمروحيات بريطانية تحط على ترابهم الوطني، لتقصف إخوة لهم ارتضوا أن يخرسوا قلوبهم منذ ارتدوا نبض العقيد القاتل، وهي أيضا الفاجعة التي تدفع الضحية إلى الاستنجاد بأي أجندة تتزين بقناع النجدة.

 

رصد الثمانية الكبار 20 مليار دولار لمصر وتونس واخر، ليزهر ربيع العرب ازدهارا وازدهارا نعرفها نحن جيدا باسم الدحنون، هذا الذي يعلن ميقات الشهداء الذين قضوا والذين سيقضون، يقولون للذين لم يموتوا بعد ان الدعم آت لا ريب، ولا قلق على الأولاد من بعد، بينما حماة الديار أيضا يبثون ذات التطمينات، لكن على الطرف الآخر من الفاجعة: موتوا مع أولادكم فتطمئنوا على مصيرهم!

 

مرة أخرى يعرف الغرب جيدا كيف يستثمر حتى في الهبات الجماهيرية العربية، يعرف كيف يحصد ثمار الديمقراطية بعدما تربى حاملو مشروعها من طبقتنا الوسطى على منتجات الإيقاع السريع، فانضموا إلى سوق استهلاكي يتسع بحجم ثقافة.

 

. ومرة جديدة جدا تنكشف الإمبريالية الروسية المتدربة، بعدما وصلها موفد من بنغازي في انتظار موفد روسي إلى عاصمة الثورة الليبية للبحث في كمية ونوعية قطعة الكعكعة ـ نصيب موسكو ـ التي لا تجد في جعبتها للتسويق سوى السلاح، فتغيرت المبادئ والشعارات وبات معمر القذافي بالنسبة للروس عبئا على الصفقات المتشكلة، ولا بد أن ينزاح.

 

عودا على بدء، هي فاجعة الإغريق وفلسفته المتفشية تباعا على رقعتنا العربية. البعض يجهد لتبرير الاستعانة بالخارج، طالما كان الداخل العربي عاجزا أمام بطش يتوحش، والبعض الآخر يزين ما يجري بتحالف المصالح الليبرالي. ولا أحد يسأل: إن كان ديدن التحالفات مبدأ «هات وخذ" فماذا لدى المجتمعات المنتفضة لتعطي الثمانية الكبار مقابل ما ستأخذ؟ هل ستقبل قسمة المستقبل وفجر الحرية القادم؟!

 

قديما قال أرسطو عن الألفة بين جلد يد العبد والقيد، لكنه لم يتحدث عن ألفة السجان والقضبان: ترى لو اختفت السجون.. كيف سيعيش السجان! ربما هذا هو ما يدفع السجان المخضرم إلى ربط مفهوم الوطن بالسجن، وإحاطته بحدود من قضبان، حتى إذا ما اقتلعها المسجون وخرج لم يجد وطنا يرتمي بين ذراعيه.

 

عتب الدمع على كل من يخرج من بيته في هذا «الربيع» ولا يكون في جيبه تصور لشكل وكنه الفصل التالي، ولا يتحوط للآتي، لأن ثمن الانطلاق من دون بوصلة، أفدح من التعايش مع جدران الآذان القاتمة. كل شيء يغتفر إلا المغامرة بمصير وطن.

 

التاريخ يمشي للأمام بلا هوادة، ومن لم يقتنع بذلك في بعض أقطارنا، فإن عليه الولوغ في الدم وتلطيخ القلب بمزيد من مشاهد حمزة الخطيب، قبل أن يقتلع ويرمي من حوله في مهب الأحلام والأوهام قبالة تلال «دوفيل».