عندما فاز الكاتب المسرحي العربي الكبير الفريد فرج بجائزة العويس الثقافية، في إحدى دوراتها الأولى، تجمعنا نحن أبناءه ومحبيه وعشاق فنه حوله في مقهى الفندق الذي ينزل به، ورحنا نتجاذب معه أطراف الحديث، أو إن شئت الدقة، فقد مضينا نصغي إلى حديثه، وقد كان رحمه الله محدثاً من طراز رفيع، وجمع في كلامه بين أطراف شتى من ذكريات الحياة المسرحية ولمحات من حياته في لندن، التي شد الرحال إليها مضطراً، وقدرت له هناك النجاة بأعجوبة من سلسلة من الأزمات القلبية.
مضى بعض زملائنا يعلقون على آراء طرحها الأستاذ، وتعددت التعليقات، ولاحظت أن الرجل الكبير شرد فجأة، وهو الذي كان حاضر الذهن دائماً، مجلجل الضحكة، متألق البسمة، ولما كنت أجلس بجواره مباشرة، فقد بادرته مداعباً، «فين سرحت، يا أستاذ؟!». رد الفريد فرج، وكأنه يعود من ترحال طال به في البعيد: «ياه، دي مصر لازم تكون بلد غنية جداً، مين عارف، يمكن أن تكون أغنى بلد في العالم!».
بادلته الابتسام، وأنا أقول: «ممكن تشرح لنا معادلة الغنى والثراء دي، يا أستاذ؟!».
عاد الرجل الكبير إلى شروده، وغامت عيناه، وهما ترحلان نحو البعيد، وعاد يقول، كأنما يحدث نفسه: «بلد بقالها سبعة آلاف سنة تتعرض للسرقة والنهب من غير ما تجوع أبناءها في الوقت نفسه لازم تكون غنية جداً». في خضم النقاش حول الفساد، الذي عرفته الحياة السياسية والاقتصادية قبل ثورة الخامس والعشرين من يناير، لا أجدني إلا متذكراً بكثير من الأسى والشجن عمنا الفريد فرج، ومترحماً عليه، لشدة ما كان صادقاً، وما أعمق ملاحظته تلك، الطالعة من قلب الواجع والمضمخة بحب الوطن وعشقه. لقد تعرضت دول كثيرة للفساد، واستطاعت التصدي له والتغلب على آثاره المروعة، ولكن المشكلة الحقيقية هي أنه في مصر ما قبل الثورة كان جبروت الفساد قد وصل إلى حد تحول معه إلى ما يوشك أن يصبح طريقة حياة، وكان أخطر ما في الأمر أن الفساد جرى تقنينه، بمعنى أنه انتقل من جريمة بالغة الضراوة والبشاعة إلى شيء يحميه القانون، وتتم ممارسته في ظلاله.
النموذج الصارخ والأكثر وضوحاً للآثار والعواقب والنتائج المدمرة للفساد، يتمثل في الطريقة التي جرى بها التعامل مع الأراضي في مصر. الأصل القانوني، كما يحدده قانون واضح وصريح ومحدد يعود إلى عام 1983، هو أنه لا تصرف ولا تعامل ولا بيع ولا إيجار ولا رهن لأرض مملوكة للدولة المصرية، إلا من خلال مزاد علني، بما يكفل ضمان حقوق الدولة، أي الشعب والناس، وتحقيق أكبر عائد ممكن لها، وبما يقضي قضاء مبرماً على شبهة التواطؤ أو التربح أو التنفيع.. إلخ.
هذا هو الأصل الذي لا يختلف عليه اثنان، ولكن ما حدث هو أنه في ظل طوفان الخصخصة، تم اعتماد كل طرق التصرف المتبعة في الدنيا ما عدا الطريقة المنصوص عليها في القانون. وفي زمن قياسي شهدت تصرفات الأراضي قدراً مروعاً لإهدار الأملاك العامة لشعب 40% من أبنائه يعيشون تحت خط الفقر. الكثير من الشركات التي شاركت في هذا الفساد المروع تراجعت أسهمها إلى ضعف التراجع الذي شهدته البورصة المصرية، عقب إعادة افتتاحها، وهو ما يعكس الإدراك الفوري أن هذه الشركات التي حصلت على مساحات مهولة من الأراضي المملوكة للدولة المصرية بتراب الفلوس، سوف تجرى محاسبتها، وبالتالي فإن علامات الاستفهام تحوم حولها كالطيور الجارحة. ولكن ماذا عن الشركات التي تعكس استثماراً خارجياً؟ إن القائمين على بعض هذه الشركات يقولون إنهم جاءوا كمستثمرين شرفاء، وتعاملوا وفق قوانين قائمة ومعمول بها.
هذه المشكلة وغيرها كثير ليست إلا الجزء الطافي من جبل جليد المشكلات التي ستدور حول التصرفات في الأراضي المصرية، وهو ملف بالغ التعقيد، ولا يقل في طابعه الشائك عن أموال مصر المهربة إلى بنوك الدنيا ومصارفها.
وفي اعتقادي أن التعامل الصحيح مع هذه الملفات هو البدء بمعالجتها على الفور، وعبر الخبرات وبالطرق القانونية التي تكفل لأبناء مصر استعادة حقهم المنهوب، وللمستثمرين الشرفاء تجنب تعقيدات هم في غنى عنها.