ربيعٌ موشّى بالدحنون، شوارع محناة بدماء ورصاص الجنون، ويافطات مطرزة بخضرة الأمل و«أن نكون أو لا نكون». هي ذي ملامح الربيع العربي؟

 

ليس تماماً، فرومانسية الشعر تنكمش نوعاً ما أمام اتساع الموت واستيعابه الجماعي لقهر بحجم شارع، والكلمات تغدو لعبة المتفرجين أو اللاهين في المخابئ، بينما التوجس المرافق لأول صرخة انطلقت من لحم البوعزيزي المحترق، انحشر تحت جحافل «الغد المبشر»، .

 

لكن كلما مر الوقت على حاضر ما زال يتشكل، عادت للتوجس فرصة التنفس، بعيدا عن قتام التخوين والتشكيك في نضرة الربيع. عودا على سؤال انطلق منذ تونس: كيف حدث أن تزامن نضوج إرادة الجماهير مع أوان الفوضى الخلاقة؟

 

من دون الحاجة إلى حشد وقائع تاريخية منذ كولن باول إلى كونداليزا رايس، وتخصيص الملايين تحت غطاء «تلميع» صورة الولايات المتحدة في العالم العربي، من دون أي تأويلات، أعلنها الرئيس الأميركي باراك أوباما صراحة في خطابه الأخير: دعمنا عبر عقود أنظمة مستبدة، وآن لنا الآن أن نحول المسار في اتجاه دعم الديمقراطيات العربية.

 

هكذا هي إذن ذاكرة العم سام الضعيفة المبرمجة على المدى القصير، وفلسفة الليمونة، التي تلفظ بعد التمتع بعصيرها، رغم تلميعها بمصطلحات السياسة الخاصة بالمرونة وتحالف المصالح المتغيرة لحظياً. لكن من السذاجة الحقة أن نقتنع بأن واشنطن تنتظر تطور مجريات الأمور على أرض الشارع العربي لتحدد سياساتها، .

 

وهي المشهورة دوماً، بل ومنبع نهج الخطة البديلة (الخطة ب). وهنا لا حاجة للتذكير ببرنامج الزائر الدولي المستمر منذ 60 عاماً، الذي استضاف عشرات آلاف الفعاليات العربية لإطلاعهم على كنه النظام الأميركي وفلسفته، إضافة إلى برامج التدريب على الديمقراطية التي استهدفت فئة الشباب، ناهيك عن التفشي الممنهج للثقافة الأميركية في ذهنيات أجيالنا الجديدة.. في المحصلة غدت الديمقراطية ثمرة ناضجة، وإن كان قطافها يدمي اليد التي تمتد.

 

لا بأس، لا عاقل يرفض الديمقراطية، مهما كانت منابتها، لأن نموها وامتداد فروعها حكما سيخضعان لطبيعة تربتها ومناخها، لكن الحاضر لا ينفصل تماماً عن الماضي، كما هو يؤسس للمستقبل، وعليه لا بد من جردة حساب.

 

إن كان أوباما بهذا القدر من الصراحة في وصف أنظمة تنحت ـ كانت قبل فترة وجيزة تحظى بمديح بيته الأبيض ـ بالديكتاتورية، فإن عليه أن يثبت صدق صراحته، بالاعتراف بمسؤولية بلاده عن دعمها لأفعال هذه الأنظمة وعواقبها، وتالياً دفع الثمن والتعويض على من وقع عليهم الفعل الاستبدادي، وعليها أيضاً إرفاق الاعتذار بالتعهد بعدم دس الأنف في الشؤون الداخلية الناشئة للمجتمعات التي سئمت هذه «الحشرية» السوداء.

 

إن كان هناك نهج أميركي جديد للتعامل الجاد مع ما بعد الربيع العربي، فعلى سادة البيت الأبيض التدرب على مفهوم الاحترام والمصالح المشتركة، والتسليم بخيارات الباحثين عن مستوى آدمي من الرفاه والكرامة.

 

وفي موازاة ذلك، عليها التوقف فوراً عن سياسة الكيل بمكيالين، وازدواجية الضمير الرائي لدم عربي يراق برصاص عربي يتخذ لوناً صارخاً، بينما الدم العربي الفلسطيني المراق برصاص إسرائيلي يجلله الغباش، رغم كل تطور أدوات الرؤية الأميركية. إن احترمت الاستراتيجية الأميركية استقلالية الشعوب، وإن اقتنعت بأن إسرائيل في ظل واحة شرق أوسطية ديمقراطية، باتت عبئاً على السلام العالمي.. إن تحققت المعجزة هذه، كان الربيع العربي طويلاً ومزهراً، وعصياً على خريف الانقلابات.