العيش مرادف للحياة، وهو عند أبناء الخليج الأرز الذي يشكل طعامهم الرئيسي الذي لا يغيب عن المائدة. وفي مصر لا يعدو العيش أن يكون الخبز، الذي يعد من خلطة من الطحين يلعب القمح دوراً أساسياً فيها. ومن هنا ليس من الصدفة أن القمح في مصر ليس سلعة تباع وتشترى فحسب، ليس حضوراً اقتصادياً قوياً فقط، وإنما هو يعجن بالسياسة قبل الماء. ربما لهذا، على وجه الدقة، كان أداء الحكومات في مصر يقاس بقدرتها على توفير الخبز للناس بأفضل شكل ممكن، على الرغم من أنه يصادر الجانب الأعظم من المبالغ المخصصة لدعم المواد الغذائية، بل للدعم على الإطلاق. هذه الحقيقة لم تأت من فراغ، وإنما من شبكة مركبة ومعقدة من الوقائع، أبرز ملامحها، أن مصر التي يبلغ عدد سكانها اليوم ستة وثمانين مليون نسمة، يعيش 04% منهم على دخل يومي يعادل دولارين، وهو ما يعرف وفق مصطلحات المنظمات الدولية بخط الفقر، لا تنتج إلا 60% مما تحتاجه من القمح.

هذا الرقم ليس من عندي، وإنما هو من عند الجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء، الذي يوضح أن مصر تنتج سنوياً 8 ملايين طن من القمح، بينما هي تستهلك 16.5 مليون طن منه، منها 9 ملايين طن لـ«العيش»، أي للخبز وحده.

هكذا، فإن مصر تستورد القمح من أستراليا، كندا، فرنسا، روسيا، أوكرانيا والولايات المتحدة، التي تزود السوق المصري بثلث احتياجاته من القمح هذا العام، ومن هنا ليس من قبيل الصدفة أن تؤكد لنا منظمة (الفاو) التابعة للأمم المتحدة أن مصر هي أكبر مستورد للقمح في العالم، وأن وارداتها من القمح قفزت العام الماضي إلى 10 ملايين طن. هذا الواقع المرعب هو أحد الملامح التي تشكل تحديات ينبغي لمصر ما بعد ثورة 25 يناير أن تتصدى لها. ولأن هذا التحدي لا يحتمل أنصاف الحلول، ولا يقبل المساومة ولا التأجيل، فقد بادرت الحكومة المصرية الحالية إلى تبني ما يمكن وصفه بخطة إنقاذ متعددة المراحل.

حجر الأساس في الخطة رفع أسعار تسليم محصول القمح من المزارعين المصريين إلى الحكومة بنسبة 25% هذا العام، تشجيعاً لهم على زيادة إنتاجهم، هكذا فبدلاً من أن تقوم الحكومة بدفع 280 جنيهاً مصرياً في الأردب من القمح، الذي يعادل 150 كيلوغراماً، ستدفع 350 جنيهاً، وهناك علاوة قيمتها عدة جنيهات، إذا تم تسليم القمح بنوعية جيدة ونظافة عالية، وهو ما تقول وزارة الزراعة المصرية إنه سعر أعلى من السعر العالمي الحالي لأردب القمح، وهو 335 جنيهاً.

يلفت نظرنا إلى أنه للمرة الأولى منذ سنوات تعلن الحكومة المصرية هذا السعر قبل فترة طويلة من موسم زراعة القمح المقبل، الذي يبدأ في نوفمبر وينتهي في أبريل، الأمر الذي يتيح للمزارعين وقتاً معقولاً للإعداد للمحصول الجديد، حيث تتوقع الحكومة أن تفقز المساحة المزروعة قمحاً من 1.2 إلى 1.5 مليون هكتار.

الخطة لا تقف عند هذا الحد، وإنما تمتد إلى تعهد الحكومة بإمداد المزارعين ببذور ذات غلة عالية، فضلاً عن تكثيف الإرشاد الزراعي لمساعدتهم على الزراعة في الوقت الصحيح، وباستخدام الأسمدة المناسبة.

خطة الحكومة المصرية، ويا للفرحة، لا تقتصر على القمح وحده، وإنما هي تشمل أيضاً المحصول النقدي المصري الأكثر أهمية، أي القطن، بالطبع.

تخطط وزارة الزراعة لزيادة مساحة الأرض المخصصة لزراعة القطن من 150 ألف هكتار إلى 200 ألف هكتار العام المقبل، مع الوعد بإمداد المزارعين بالأسمدة والإرشاد ومواد مكافحة الحشرات، فضلاً عن بذل جهود مكثفة لفتح أسواق جديدة للقطن المصري.

كل هذا بالطبع رائع، وجميل، وعظيم، ونتمنى له أن يتوج بالنجاح، ولكن ألم ينس واضعو هذه الخطط ، ويا للحزن، شيئاً مهماً؟ ألم ينسوا استعادة ثقة الفلاح المصري بالحكومة، وهو الذي درج على أن يرى في أفنديتها مرادفاً للموت وخراب البيوت والضياع المستعجل؟