هناك كثيرون، في هذا العالم، يأبون إلا العيش بنهج الخفافيش، وعلى غرارها، فهم لا يحلقون عالياً إلا في الظلام، ولا يتحدثون إلا بلغة الوسوسة، ويتمنون لو أن العالم كله أطبق عليه الظلام، لكي يعيشوا نوعية الحياة التي تطيب لهم، وبما يتوافق مع هويتهم وعقليتهم وأغراضهم. وإلى هؤلاء ينتمي صانعو السياسات والمحللون والإعلاميون الذين لا يريدون أن يروا السياسات الخارجية المصرية على ما هي عليه، قرارات تتخذ في وضح النهار، استناداً إلى حقائق وأسس واعتبارات موضوعية، لتكون في خدمة المصالح المصرية وبالتنسيق مع الأشقاء العرب، وبما يخدم الصالح القومي العربي، في مرحلة حافلة بالتحديات والصعوبات والعراقيل التي تقتضي حشد الجهود لتجاوزها.

ما عليك إلا أن تنظر إلى ردود الأفعال حيال تبني القاهرة للاتفاق الذي طال انتظاره بين الفصائل الفلسطينية، واعتزامها فتح الحدود بين مصر وقطاع غزة، لنرى المنطق الذي يتعامل به الخفافيش، إن كان للخفافيش منطق، مع قرارات مصر في مجال سياستها الخارجية.

عديدة هي وكالات الأنباء والصحف العالمية التي نقلت عن مسؤول أوروبي كبير تعليقه على قرارات القاهرة الأخيرة قوله، مع حرصه على حجب هويته: «إن القرارات المصرية هي لغز». هذا التصريح يردد أصداء تصريح مسؤول إسرائيلي، وصف أيضاً بأنه كبير، قال فيه تعليقاً على قرار مصر بفتح الحدود مع قطاع غزة: «إن التطورات الأخيرة في مصر تجعلنا نشعر بالانزعاج، فهذه التطورات يمكن أن تؤثر على الأمن القومي الإسرائيلي، على مستوى استراتيجي».

كل هذا جاء في أعقاب تصريح وزير الخارجية المصري نبيل العربي، في مقابلة أجريت أخيراً معه، إن مصر ستفتح الحدود مع قطاع غزة في غضون أيام.

واشنطن اكتفت، في معرض تهدئة المشاعر الإسرائيلية، بمحاولة التقليل من شأن القرار المصري، فها هو جاكوب سوليفان، مدير إدارة التخطيط والسياسة في الخارجية الأميركية، يشير إلى أنه كانت هناك على الدوام حركة للناس ولمقادير من المواد المتعلقة بالاغاثة الإنسانية عبر الحدود بين مصر والقطاع. ربما كانت الحدود بين مصر والقطاع قوقعة قديمة، كما يعبر هيجل، لكن كائناً جديداً هو الذي يوجد في القوقعة الآن، وهو كائن يعبر عن إرادة مختلفة، وعن روح مغايرة.

إن ما يجري على صعيد السياسة الخارجية المصرية يجري بجلاء، وفي وضح النهار، ولم يكن من قبيل الصدفة أن أول زيارة خارجية لمصر تتم على أرفع مستويات العمل التنفيذي كانت زيارة من القاهرة إلى السودان، إلى الخرطوم، ومن ثم إلى جوبا، وكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون التحرك الصحي والصحيح للتنسيق على نحو أكبر بين الأشقاء في مصر ودول الخليج العربية.

وفي غضون ذلك، وبروحية الخفافيش ومنهاجيتهم في الحركة يمضي في عواصم عدة من يجيدون الدس ويتقنون الوقيعة، فينسجون من أمانيهم المشؤومة شائعات، هي أوهى من نسيج العنكبوت، عن مشكلات تعترض العلاقات بين القاهرة وبين هذه العاصمة العربية أو تلك، لا لشيء إلا ليتم إحباط هذا الجهد الظلامي، من خلال الحركة الوثيقة بالتعاون بين مصر والأشقاء العرب.

وبروحية الخفافيش أيضاً، يمضي البعض إلى القول إن الرئيس الأميركي يعتزم التحرك باتجاه إحياء جهود السلام في الشرق الأوسط، وإن جانباً من قرارات القاهرة قد لا يكون مما يساند هذا الاتجاه على وجه الدقة، وإن رئيس الوزراء الإسرائيلي الذي ينتظر أن يلقي خطاباً مهماً في القريب، قد يجد في هذا ما يحدوه إلى التراجع عن العودة إلى مظلة التفاوض من أجل السلام.

ونقول: ما أغرب هذا الكلام الساكت! إن من يرد السعي إلى السلام عليه أن يبادر إلى مقدماته الموضوعية، وليس فيما رأيناه في الماضي القريب ما ينتمي إلى هذا السعي. حقاً إن من يتحركون في الظلام لا يجيدون إلا لغة طمس الحقائق.